الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ قال مقاتل: يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم الجمعة، وهو كما قال، لأنه لم يكن على عهد رسول الله -ﷺ- نداء سواه كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا كان على عهد أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما [[روى البخاري في كتاب: الجمعة، باب: المؤذن الواحد يوم الجمعة 2/ 10، == عن السائب بن يزيد: كان النداء إذا صعد الإمام على المنبر على عهد رسول الله -ﷺ- وأبي بكر، وعمر، فلما كان عثمان كثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء.]]. وقوله: ﴿الْجُمُعَةِ﴾ يعني لوقت الصلاة [[انظر: "معاني الأخفش" 2/ 708.]]. يدل عليه قوله: ﴿مِنْ يَوْمِ﴾ والصلاة لا تكون من اليوم وإما يكون وقتها من اليوم، وأما الجمعة فقال الليث: الجمعة يوم خُصَّ به لاجتماع الناس في ذلك اليوم ويجمع على الجُمعان والجُمَع، والفعل جمَّع الناسُ: أي شهدوا الجمعة [["تهذيب اللغة" 1/ 398.]]. وروي عن سلمان قال: قال رسول الله -ﷺ-: "سميت الجمعة لأن آدم عليه السلام جمع خلقه" [[أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن سلمان. قال: قال رسول الله -ﷺ- أتدري ما يوم الجمعة؟ قال الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات. ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جُمع فيه أبوكم آدم .. الحديث. ولم يحلل تسميتها الجمعة بهذه العلة التي ذكرها المؤلف. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 174، رواه الطبراني في "الكبير"، وإسناده حسن، قال: وروى النسائي بعضه.]]. وقال بعضهم: سميت بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات [[قال ابن كثير: إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من السنة التي خلق الله فيها السموات والأرض وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 365، وانظر: "اللسان" 1/ 500 (جمع).]]. قال الفراء: وفيها ثلاث لغات [[(لغات) ساقطة من (ك).]]، التخفيف، وهي قراءة الأعمش، والتثقيل قراءة العامة [[قرأ الجمهور (الجمعة) بضم الجيم والميم، وقرأ الأعمش، والسلمي، والزهري، وغيرهم (الجمعة) بضم الجيم وإسكان الميم. انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 156، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 429، و"البحر المحيط" 8/ 267.]]، ولغة لبني عقيل [[بنو عقيل.]] يقولون: الجمعة [[لغة بني عقيل: (الجُمَعة) بفتح الميم. انظر: معاني الفراء 3/ 156، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 156، و"الكشف" 13/ 118 ب، 119 أ.]] كأنهم ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يجمع الناس كما يقال ضحكة للذي يكثر الضحك [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 156، و"الكشاف" 4/ 97.]] قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: فامضوا [["تنوير المقباس" 6/ 71.]]. وقال مقاتل: فامشوا [[لم أجده عن مقاتل، وإنما ذكره المفسرون لبيان المعنى دون نسبة لقائل، والذي في "تفسير مقاتل" 155 أ، قال: (يقول فامضوا إلى الصلاة). وانظر: "التفسير الكبير" 3/ 8.]]. وعلى هذا معنى السعي والذهاب في معنى واحد، لأنك تقول: فلان يسعى في الأرض يبتغي الرزق وليس هذا باشتداد، ويدل على هذا قراءة عمر، وابن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 291، و"جامع البيان" 28/ 65، و"مجمع الزوائد" 7/ 124، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 442، قال أبو حيان: وقرأ كبراء من الصحابة والتابعين (فامضوا) بدل ﴿فَاسْعَوْا﴾ وينبغي أن يحمل على التفسير من حيث أنه لا يراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، ففسروه بالمضي، ولا يكون قرآنًا لمخالفته سواد ما أجمع عليه المسلمون. "البحر المحيط" 8/ 268.]]. وقال ابن جريج: قلت لعطاء ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: الذهاب والمشي [[أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر. "الدر" 6/ 219.]]، يقال: سعى إلى بني فلان وإنما هي مشي. وقال الزجاج: معناه: فاقصدوا، وليس معناه العدو [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 171.]]، وهذا معنى قول الحسن. قال: والله ما هو سعي على الأقدام، ولكنه سعي بالقلوب، وسي بالنية، وسعي بالرغبة [[انظر: "الكشف والبيان" 13/ 121 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 341، و"الدر" 6/ 219.]]، ونحو هذا، قال قتادة: السعي أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها [[أخرجه عبد بن حميد، والبيهقي في شعب الإيمان. "الدر" 6/ 219، وانظر: "الكشف والبيان" 13/ 121 ب.]]. وحمل قوم السعي هاهنا على العمل، قال محمد بن كعب: السعي العمل [[انظر: "الدر" 6/ 219، ونسب تخريجه لابن المنذر وابن أبي شيبة. انظر: "المصنف" لابن أبي شيبة.]] وهو مذهب مالك والشافعي، قال مالك: السعي في كتاب الله العمل والفعل، واحتج بقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 205]، وقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4] قال: فليس السعي الذي ذكر الله في كتابه بالسعي على الأقدام ولا بالاشتداد وإنما ذلك الفعل والعمل. أخبرنا أحمد بن الحسن الحرشي [[هو أحمد بن الحسن الحرشي. كان رئيسًا محتشمًا. انتهى إليه علم الإسناد، فروى عن أبي الميداني، والأصم وطبقتهما، ولي قضاء نيسابور، وقد صم بآخره، حتى بقي إلا يسمع شيئًا، ووافق شيخه الأصم في الأصول والحديث. توفي سنة (421 هـ) وله ست وتسعون سنة. انطر: "شذرات الذهب" 3/ 217، و"الكامل في التاريح" 7/ 352، و"العبر" 2/ 243.]]، حدثنا محمد بن يعقوب [[هو أبو العباس الأصم.]] أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: السعي في هذا الموضع هو العمل، وتلا قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]. ويكون المعنى على هذا: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله من التفرغ له، والاشتغال بأسبابه من الطهارة والغسل والتوجه إليه بالقصد والنية. وذهب قوم إلى السعي الذي هو سرعة المشي، وروي ذلك عن عبد الله بن الصامت [[هو عبد الله بن الصامت الغفاري البصري، ثقة وهو ابن أخي أبي ذر، ويكنى أبا نصر. انظر: "المعارف" ص 253، و"التقريب" 1/ 423.]] أنه بينما هو يمشي إلى الجمعة سمع المؤذن يؤذن فرفع في مشيه لقول الله ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [[أخرجه البيهقي في "سننه" وفيه: (خرجت إلى المسجد يوم الجمعة فلقيت أبا ذر ... فجذبني جذبة فقال: أولسنا في سعي) "الدر" 6/ 219، واقتصر المؤلف -رحمه الله- على ما ذكر لبيان من فسر السعي بالسرعة وإن عارضه غيره. والله أعلم.]]. وروى عمران بن الخياط [[هو عمران بن حطان بن ظبيان، يكنى أبا شهاب، تابعي مشهور، وكان من رؤوس الخوارج من الصفرية، ولما طال عمره وضعف عن الحرب اقتصر على التحريض والدعوة بشعره وبيانه، وكان شاعرًا مغلقًا مكثرًا. مات سنة (84 هـ). انظر: "الإصابة" 3/ 178، و"ميزان الاعتدال" 3/ 235، و"الأعلام" 5/ 70.]] أن إبراهيم كان يسعى يوم الجمعة، وهذا كأنه ليس بالوجه لما روي أن النبي -ﷺ- قال: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ولكن آتوها وعليكم السكينة" [[الحديث رواه البخاري في الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار 1/ 164، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة 1/ 239 (603)، وأحمد 2/ 532.]] فنهى عن السعي في الإتيان إلى الصلاة، فدل أن السعي المأمور به في الآية غير هذا الذي نهى عنه النبي -ﷺ-. غير أنه يحتمل أن يقال: صلاة الجمعة مخصوصة بجواز السعي إليها للآية، وغيرها من الصلاة تؤتى بالسكينة [[انظر: "روح المعاني" 28/ 102.]]، والوجه الأقوال المتقدمة [[انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 445، وقال بعد ذكره للحديث المتقدم: (ولم يفرق بين الجمعة وغيرها، واتفق فقهاء الأمصار على أنه يمشي إلى الجمعة على هينته).]]. وروى أبو العباس عن ابن الأعرابي: سعى إذا مشى، وسعى إذا غدا، وسعى إذا عمل، وسعى إذا قصد. قال: وقول الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي اقصدوا [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 91 (سعى).]]. ومعنى ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هاهنا الصلاة المفروضة في قول أكثر المفسرين [[ومراد المؤلف -رحمه الله- أن الذكر يشمل الصلاة والخطبة معًا، إذ خص بعض العلماء الذكر بالصلاة، والأكثرون فسروه بالخطبة فقط فجمع المؤلف بين القولين. انظر: "جامع البيان" 28/ 65، و"الكشف والبيان" 13/ 121 ب، و"زاد المسير" 8/ 265، و"المغني" 3/ 171/ 175، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 446.]]. قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ قال الحسن: إذا أذن المؤذن يوم الجمعة لم يحل البيع والشراء [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 8، وهذا هو قول مجاهد، والزهري، وأحمد. انظر: "المغني" 3/ 163، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 448.]]. قال أصحابنا: إذا جلس الإمام على المنبر يترك البيع لقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ فمن باع في تلك الساعة فقد خالف الأمر وبيعه منعقد، لأن النهي عن البيع تنزيه لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فدل ذلك على الترغيب في ترك البيع في ذلك الوقت [[انظر: "الأم" 1/ 173، و"زاد المحتاج بشرح المنهاج" 1/ 337 - 338، و"المجموع" 4/ 500، ويرى مالك أن يفسخ البيع، و"المدونة" 1/ 143.]]، ولا يحتاج إلى ذكر الشراء، لأنه بيع أيضًا، ولأنه لا يوجد شراء من غير بيع، فإذا منع البيع فقد منع الشراء، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما هو خير لكم وأصلح.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.