الباحث القرآني

إِذَا جَاۤءَكَ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ لَكَـٰذِبُونَ
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وتم الخبر عنهم، ثم ابتدأ فقال ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ أي أنه أرسلك فهو يعلم أنك رسوله، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 12.]]. قال الفراء: جعلهم كاذبين لأنهم أضمروا غير ما أظهروا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 158.]]. يعني أنهم لما أضمروا خلاف ما شهدوا به سماهم كاذبين، فدل هذا على أن حقيقة الإيمان بالقلب وكذلك حقيقة كل كلام. ومن قال شيئًا واعتقد خلافه فهو كاذب، ألا ترى أنهم كانوا يقولون بألسنتهم ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وسماهم الله كاذبين، لأنه قلوبهم كانت تخالف ألسنتهم فيما يقولون. وقال قوم: لم يكذبهم الله في قوله: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ وإنما أكذبهم بغير هذا مما وجد منهم من الكذب الذي أخبر الله عنهم عنهم في قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: 74] الآية، وقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [[من آية (56) من سورة التوبة. وهذا هو رأي الزجاج حيث قال: (أكذبهم فيما تعتقده قلوبهم وفي أنهم يحلفون بالله إنهم لمنكم، ويحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر). "معاني القرآن" للزجاج 5/ 175. قلت: ولعل هذا هو الصواب لأن حمل الآية على العموم أولى، وشهادتهم تدخل ضمن هذا المعنى، والله أعلم.]] والقول هو الأول. وجواب (إذا) قوله: (نشهد) أي أنهم إذا أتوك شهدوا لك بالرسالة وهو كاذبون في تلك الشهادة، لأنهم يقولونها عن غير اعتقاد ومواطأة قلب مع اللسان - وكل قول خالف اللسان فيه القلب فهو كذب، ألا ترى أن شاهدًا لو شهد على حق من غير علم كان كاذبًا، لأنه شهد ولم يعلم، كذلك المنافقون شهدوا ولم تكن شهادتهم مستندة إلى عقيدة وعلم بالقلب فكانوا كاذبين. قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مذهب أهل العراق أن [[(أن) ساقطة من (ك).]] من قال أشهد بالله لقد كان كذا، أو قال أشهد، ولم يقل بالله ونوى يمينًا كان ذلك يمينًا بالنية، واحتجوا بهذه الآية وهو أن الله تعالى لم يذكر منهم إلا الشهادة، ثم قال ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ فسمى شهاداتهم أيمانًا [[انظر: "شرح فتح القدير" لابن الهمام 4/ 12.]]، وعند الشافعي لا يكون أشهد بالله يمينًا وإن نوى ذلك [[انظر: "المجموع" للنووي 18/ 36، و"فتح الباري" 11/ 544، وفي "الأم" 7/ 56 ، قال: وإذا قال: أشهد بالله فإن نوى اليمين فهو يمين، وإن لم ينو يمينا فليس بيمين؛ لأن قوله أشهد بالله يحتمل أشهد بأمر الله، وإذا قال: أشهد، لم يكن يمينا، وإن نوى يمينا فلا شيء عليه.]]. ومعنى ﴿أَيْمَانَهُمْ﴾ ما أخبر الله عن حلفهم الباطل في آيات من سورة الحشر [[وذلك عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ الآيات.]]. قال الضحاك (أيمانهم) حلفهم إنهم لمنكم [[انظر: "جامع البيان" 28/ 69.]]، وتفسير هذه الآية قد تقدم في سورة المجادلة. قوله: ﴿ذلك﴾ قال مقاتل: ذلك الكذب بأنهم آمنوا باللسان، ثم كفروا في السر، وجحدوا بقلوبهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 13.]] وهذا تأكيد لما فسرناه في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. قوله: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: ختم الله على قلوبهم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 76، و"التفسير الكبير" 30/ 13.]]. وقال مقاتل: طبع على قلوبهم بالكفر [[انظر: "تفسير مقاتل" 155 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 13.]] ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يفهمون الإيمان والقرآن وصدق محمد -ﷺ-، والمعنى أن الله جازاهم بصنعهم الطبع على قلوبهم.