الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: لما نزل القرآن على رسول الله بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا لهم: ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول الله -ﷺ-، وتوبوا إليه من النفاق، وسلوه أن يستغفر لكم، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فأنزل الله فيهم هذه الآية [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 15.]]. قال عطاء عن ابن عباس: لما رجع عبد الله بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه، فقال له بنو أبيه: لو أتيت رسول الله -ﷺ- حتى يستغفر لك ويرضى عنك. قال: لا أذهب إليه، ولا أريد أن يستغفر لي [[أخرجه البيهقي في "الدلائل" عن الزهري، نحو هذا بسياق أطول. "الدر" 6/ 224. وذكره الرازي عن ابن عباس من غير سند. "التفسير الكبير" 30/ 15.]]. قال قتادة: قال قوم عبد الله بن أبي: لو أتيت رسول الله -ﷺ- فاستغفر لك. فجعل يلوي رأسه، فنزلت هذه الآية [[أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وعبد الرزاق في "التفسير"، وعبد بن حميد. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 294، و"جامع البيان" 28/ 71، و"الدر" 6/ 224، وقال ابن حجر: ووقع في مرسل الحسن، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة، ومن طريق مجاهد، ومن طريق عكرمة "فتح الباري" 8/ 648.]]. وقال أكثر المفسرين: إنما دعي إلى الاستغفار؛ لأنه كان قد قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، وقال: ﴿لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، فقيل له: تعال يستغفر لكم رسول الله فلوى رأسه وقال: ماذا قلت؟. فذلك قوله: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [[وهو المروي عن أكثر أهل التفسير والسير. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 294، و"جامع البيان" 28/ 70، و"الكشف والبيان" 13/ 128/ أ، و"أسباب النزول" 496.]] قال مقاتل: عطفوا رؤسهم رغبة عن الاستغفار [[انظر "تفسير مقاتل" 156/ أ، و"زاد المسير" 8/ 276.]]. وقرئ (لووا) بالتخفيف من الليّ، وهو يصلح للقليل والكثير، ويشهد لهذه القراءة قوله: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [[قال تعالى ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: 46].]] و (لَوَوْا) من الليّ. وقُرئ بالتشديد [[قرأ نافع، ويعقوب من طريق روح، والمفضل، عن عاصم: ﴿لَوَّوْا﴾ بالتخفيف. وقرأ الباقون: ﴿لَوَّوْا﴾ بالتشديد. انظر: "حجة القراءات" 709، و"النشر" 2/ 388، و"الإتحاف" 416، "معاني الأخفش" 2/ 709.]]، وهو يختص بالكثرة، والفعل هاهنا لجماعة فهو كقوله: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50] على أنه قد جاء: تَلْوِية الخاتِنِ زُبَّ المُعْذَرِ [[أنشده أبو زيد، وورد في "اللسان" غير منسوب لقائل. انظر: "الحجة" للقراء السبعة 6/ 293، و"اللسان" 2/ 719 (عذر).]] واختار أبو عبيد بالتشديد. قال: لأنهم كثير [[انظر: "زاد المسر" 8/ 276، وهو اختيار ابن جرير أيضًا. "جامع البيان" 28/ 70. قلت: واختيارهم هذا لا يعني الطعن في قراءة التخفيف لثبوتها عن النبي -ﷺ-.]]. قال المبرد: لا أعلم الرواية اختلفت في أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي وهو القائل: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية [[قلت: الروايات تظافرت على هذا، وإنما وقع الخلاف في الغزوة التي نزلت فيها هذه الآيات، والصواب أنها نزلت في غزوة بني المصطلق، كما ذكر ابن كثير رحمه الله. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 368، و"فتح الباري" 8/ 648 - 649.]]، فالعرب قد تكنى فتجعل الكناية جمعًا، والمفعول واحد. قال جرير: لا بارك الله فيمن كان يحسبكم ... إلا على العهد حتى كان ما كانا [["ديوان جرير" 1/ 162.]] وإنما يخاطب بهذه امرأة، وهذا كثير في أشعارهم وكلامهم، يقول الرجل الواحد: نحن فعلنا، يعني نفسه، ويقول لرجل الواحد يخاطبه: أنتم فعلتم، يعني المخاطب وحده. وقوله: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ أي عن الاستغفار ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن استغفار رسول الله -ﷺ-. ثم ذكر أن استغفاره لا ينفعهم فقال ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ قال قتادة، ومقاتل: نزلت هذه الآية بعد قوله: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] الآية، وذلك أنها لما نزلت قال نبي الله -ﷺ- خيرني ربي فلأزيدنهم على السبعين فأنزل الله هذه الآية [[أخرجه البخاري من حديث ابن عمر، وفيه (فقال رسول الله -ﷺ-: "إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة}. وسأزيده على السبعين") "صحيح البخاري". كتاب: التفسير، باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وباب: ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره. وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 15، قال ابن حجر: وروى عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: لما نزلت ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال النبي -ﷺ-: "لأزيدن على السبعين"، فأنزل الله تعالى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ورجاله ثقات مع إرساله، ويحتمل أن تكون الآيتان معًا نزلتا في ذلك. "فتح الباري" 8/ 336.]]. ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المنافقين [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 77، و"التفسير الكبير" 30/ 15.]]، والمعنى لا يجعل جزاءهم على النفاق أن يهديهم، أو لا يهدي من سبق في علمه وقضائه أنه فاسق منافق. ثم أخبر بشنيع مقالتهم فقال: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ قال المفسرون: اقتتل أجير لعمر مع أجير لعبد الله بن أبي في بعض الغزوات، وأسمع أجير عمر لعبد عبد الله بن أبي المكروه، واشتد عليه لسانه فغضب عبد الله وعنده وهي من قومه فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل -يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله -ﷺ- ثم أقبل على قومه فقال: لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء -يعني المهاجرين- لأوشكوا أن يتحولوا عن بلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد، فأنزل الله فيه هذه الآية [[انظر: "أسباب النزول" للواحدي 496، و"زاد المسير" 8/ 271، و"التفسير الكبير" 30/ 17.]]. قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات [[انظر: "تفسير مقاتل" 156 ب، و"التفمير الكبير" 30/ 17.]]. والمعنى أن الله هو الرزاق للخلق كلهم، ولهؤلاء المهاجرين لا هم، لأن خزائن الرزق من السموات والأرض لله تعالى كما قال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 31]. وقال أهل المعاني: خزائن الله مقدوراته؛ لأن فيها كل ما شاء مما يريد إخراجه [[انظر: "مفردات الراغب" (خزن)، و"التفسير الكبير" 30/ 17.]]. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يفقهون أن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 350، و"التفسير الكبير" 30/ 17، ولم ينسباه لقائل.]]. قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ من تلك الغزوة التي كانوا فيها -وهي غزوة بني المصطلق- إلى المدينة ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ﴾ يعني عبد الله بن أبي بالأعز نفسه وبالأذل [[(ك): (بالأذل) بدون الواو.]] رسول الله، فرد عليه فقال ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ قال ابن عباس: المنعة [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 78.]] ﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بإعزاز الله ونصره إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان. وقال أبو إسحاق: أعلم الله أنه مظهر [[(ك): (يظهر).]] دينه على الدين كله ومعز رسوله ومن معه من المؤمنين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 177.]]. قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ولو علموا ما قالوا مقالتهم هذه. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال عطاء: عن فرائض الله الحج والزكاة [[لم أجده، منسوبًا لقائل. وقد ذكره الرازي في "تفسيره" 30/ 18.]]. وقال الضحاك: الصلوات الخمس [[أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما. "جامع البيان" 28/ 76، و"الدر" 6/ 226.]]. وقال مقاتل: عن الصلاة المكتوبة. وعنده أن هذه الآية والتي بعدها خطاب للمنافقين الذين أقروا بالإيمان [[انظر: "تفسير مقاتل" 157/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 18.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي من ألهاه ماله وولده عن ذكر الله، فعبر عن هذا بفعله، لأنه ما لم يله بماله لم يلهه المال، ومن لم يغتر بشيء لم يغره، وهذا معنى قول صاحب النظم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 18]]. ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 351، و"التفسير الكبير" 30/ 18.]]. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فيسأل الرجعة إلى الدنيا، وهو قوله: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال أبو إسحاق: حضهم على إدامة الذكر، وأن لا يضنوا بالأموال من قبل أن يعاين ما يعلم معه أنه ميت [[انظر: "معانى القرآن" للزجاج 5/ 177.]]، فيقول: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هلا أمهلتني وأخرت أجلي إلى أجل قريب، يعني استزاده في أجله حتى يتصدق ويزكي، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: هذا دليل على أن القوم لم يكونوا مؤمنين، وذلك أن المؤمن لا يسأل الرجعة، إنما يسأل الكافر [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 19.]]. وقال الضحاك: لم ينزل بأحد الموت لم يحج ولم يؤد الزكاة إلا سأل الرجعة. وقرأ [[في (ك): (وقال).]] هذه الآية. وقال في قوله: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني الحج [[أخرجه ابن جرير عنه. "جامع البيان" 28/ 77، و"التفسير الكبير" 30/ 19.]]، ونحو هذا روي عن ابن عباس أنه قال ذلك، فقيل له: اتق الله فإن الكافر يسأل الرجعة. فقال: أنا أقرأ عليكم به قرآنا، ثم قرأ هذه الآية إلى قوله: ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال: أحج [[أخرجه ابن جرير، والترمذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، من طريق أبي حناب، وهو ضعيف، وفيه انقطاع بين الضحاك وابن عباس. انظر: "جامع البيان" 28/ 76، و"سنن الترمذي" كتاب تفسير القرآن 5/ 390، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 373.]]. قال أبو إسحاق: معناه: هلا أخرتني. وجزم ﴿وَأَكُنْ﴾ على موضع ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأنه على معنى: إن أخرتني أصدق وأكن من الصالحين، ومن قرأ (وأكونَ): فهو على لفظ فأصدق وأكون [["معاني القرآن" للزجاج 5/ 178، وفي قوله تعالى: ﴿وَأَكُنْ﴾ قرأ الجمهور. (وأكن) بجزم النون من غير واو، وقرأ أبو عمرو (وأكونَ) بالواو ونصب النون. انظر: "حجة القراءات" 710، و"النشر" 2/ 388، و"الإتحاف" 417.]]. قال المبرد: من قرأ (وأكون) فعلة ما قبله لأن ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ جواب للاستفهام الذي فيه التمني، وهو قوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي﴾ أي: هلا أخرتني، والجزم على موضع الفاء لأن الفاء دخلت على شيء لو لم يكن فيه لكان مجزومًا ولم يتغير المعنى فكأنه لولا أخرقني إلى أجل قريب أصدق وأكن. وأنشد سيبويه أبياتًا كثيرة في العمل على الموضع منها قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 19. والبيت لعقيبة بن هبيرة الأسدي. انظر: "شرح الشواهد" 1/ 34، و"الخزانة" 1/ 343، و"شرح المفصل" 2/ 109، وينسب أيضًا لعبد الله ابن الزبير الأسدي.]]. ومنه قول لبيد: فإن لم نجد من دون عدنان والدًا ... ودون معدا فلترعك العوازل [["ديوان لبيد" ص 255، و"الكتاب" 1/ 34، و"الخزانة" 2/ 252، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 130.]] فنصب دون معد على الموضع، لأن من زائدة، وزاد أبو علي شرحًا وبيانًا فقال: ﴿وَأَكُنْ﴾ عطفًا على موضع قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأنه في موضع فعل مجزوم، ألا ترى أنك إذا قلت: أخرني أصدق، كان جزمًا بأنه جواب الجزاء، وقد أغنى السؤال عن ذكر الشرط، والتقدير: أخرني فإن تؤخرني أصدق، فلما كان الفعل المنتصب بعد الفاء في موضع فعل مجزوم بأنه جزاء الشرط حمل قوله: ﴿وَأَكُنْ﴾ هو عليه، وأنشد الأئمة في وجه هذه القراءة قول الشاعر: فَأَبْلُونيِ بَلَّيُكُمْ لَعَلِّي ... أصالحِكُمْ وأستدرجْ نَوَتَّا [[البيت لأبي دؤاد، كما في "ديوانه" ص 350، و"الخصائص" 1/ 176، و"شواهد شرح أبيات المغني" 6/ 292، و"اللسان" (علل)، أمالي ابن الشجري 1/ 280، و"مغني اللبيب" ص 423، و"النقائض" ص 408، والنوى الوجه الذي يقصد، == وأستدرج أرجع أدراجي.]] حمل وأستدرج على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من لعلّي [[في (ك): (على موضع لعلّي وما بعدها) والتصحيح من "الحجة".]]. وأما قراءة أبي عمرو (وأكونَ) فإنه حمله على اللفظ دون المعنى، وكان الحمل على اللفظ أولى لظهوره في اللفظ وقربه [[انظر: "الحجة" للقراء السبعة 6/ 293 - 294.]]. ثم أخبر الله تعالى أنه لا يؤخر من انقضت مدته وحضر أجله فقال: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ أي عند الموت ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال عطاء: أي لو رد إلى الدنيا ما زكى ولا حج [["التفسير الكبير" 30/ 19، ولم ينسبه لقائل.]]، ويكون هذا كقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [[قال تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28].]] والمفسرون على أن هذا خطاب شائع لكل عامل عمل خيرًا أو شرًّا. وروي عن عاصم أنه قرأ (يعملون) بالياء [[قرأ أبو بكر، عن عاصم ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر غائبين، وقرأ الباقون (تعملون) بالتاء على الخطاب. انظر: "حجة القراءات": 711، و"النشر" 2/ 388.]] على قوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ لأن النفس وان كان واحدًا في اللفظ فالمراد به الكثرة، فحمل على المعنى [["الحجة" للقراء السبعة 6/ 294.]]، والله تعالى أعلم. (64) تفسير سورة التغابن