الباحث القرآني

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية. روى قتادة عن أنس أن رسول الله -ﷺ- طلق حفصة فأتت أهلها، فأنزل الله هذه الآية. وقيل له راجعها فإنها صوامة قوامة [[أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، انظر: "جامع البيان" 28/ 85، و"أسباب النزول" للواحدي ص 501، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 377، وفي "مجمع الزوائد" 9/ 245، قال: أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.]]. وعلى هذا إنما نزلت بسبب خروجها إلى أهلها لما طلقها النبي -ﷺ- فأنزل الله في هذه الآية: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾، ونحو هذا ذكر الكلبي في سبب نزول هذه الآية، قال: غضب رسول الله -ﷺ- على حفصة لما أسر إليها حديثًا فأظهرته [[في (س): (فأظهرت).]] لعائشة، فطلقها تطليقة، فنزلت هذه الآية [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 29.]]. قال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر لما طلق امرأته حائضًا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 138 ب، و"أسباب النزول" للواحدي ص 501.]]. والقصة في ذلك مشهورة [[قصة تطليق ابن عمر رضي الله عنهما لامرأته وهي حائض مشهورة، رواها البخاري في "صحيحه"، كتاب: الطلاق 7/ 52، ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها 2/ 1093، وأبو داود في "سننه"، كتاب: الطلاق، باب: في طلاق السنة 2/ 411، وغيرهم.]]، وذكر المقاتلان أن رجالًا فعلوا مثل ما فعل ابن عمر، منهم عبد الله بن عمرو، وعمرو بن سعيد بن العاص [[عمرو بن سعيد بن العاص، المعروف بالأشدق، تابعي، ولى إمرة المدينة لمعاوية، ولابنه، قتله عبد الملك سنة سبعين صبرًا. انظر: "العبر" 1/ 57، و"تقريب التهذيب" 2/ 70، و"طبقات ابن سعد" 5/ 237، و"تاريخ الإسلام" 4/ 202، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 449.]]، وعتبة بن غزوان [[عتبة بن غزوان المازني، أحد السابقين الأولين، يقال أسلم سابع سبعة، وهو الذي اختط البصرة، توفي سنة سبع عشرة في طريقه إلى البصرة، وهو ابن سبع وخمسين رضي الله عنه. انظر: "صفة الصفوة" 1/ 387، و"سير أعلام النبلاء" 1/ 304، و"طبقات ابن سعد" 3/ 98، و"الإصابة" 6/ 379، و"تاريخ الإسلام" 2/ 152.]] فنزلت الآية فيهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 29، و"روح المعاني" 28/ 132. قال ابن العربي: والأصح فيه أنه بيان لشرع مبتدأ. انظر: "أحكام القرآن" 4/ 1811، و"البحر المحيط" 8/ 281. وقال القرطبي: إن الأصح أنها نزلت ابتداء لبيان حكم شرعي، وكل ما ذكر من أسباب النزول لها لم يصح، و"الجامع" 18/ 148.]]. وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ وجهان: أحدهما: أنه نادى النبي -ﷺ- ثم خاطب أمته؛ لأنه السيد المقدم، فإذا نودي وخوطب خطاب الجمع كانت أمته داخلة في ذلك الخطاب. قال أبو إسحاق: هذا خطاب النبي -ﷺ-، والمؤمنون داخلون معه في الخطاب [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 183.]]. الوجه الثاني: أن المعنى يا أيها النبي قل لهم: إذا طلقتم النساء. فأضمر القول [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 29، و"فتح الباري" 9/ 346.]]، وإضمار القول كثير في القرآن. وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ معناه: إذا أردتم التطليق، كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 6] و ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: 45]، وقد مر. قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال عبد الله: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فليطلقها طاهرًا من غير جماع [[أخرجه ابن جرير في "جامعه" 28/ 83، والنسائي في "سننه" كتاب: الطلاق، باب: طلاق السنة 2/ 715، وابن ماجه في الطلاق، باب طلاق السنة 1/ 651.]]. وهذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وابن سيرين، ومقاتل، والجميع [[(س): قوله (والضحاك) و (ابن سيرين، ومقاتل، والجميع) زيادة.]]. قالوا: أمر الله تعالى الزوج أن يطلق امرأته إذا شاء الطلاق في طهر لم يجامعها فيه [[انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"جامع البيان" 28/ 84، و"تفسير ابن كثير" 4/ 378.]]، وهو قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لزمان عدتهن وهو الطهر بإجماع من الأمة [[انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 452، و"المغني" 10/ 325، حيث قال: ولا خلاف في أنه إذا طلقها في طهر لم يصبها فيه، ثم تركها حتى تنقي عدتها أنه مصيب للسنة.]]، وذلك أن الطلاق سنين وبدعي، فالسني أن يقع في طهر لم يجامع فيه فذلك هو الطلاق للعدة؛ لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها ويحصل في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان العدة. فالآية دلت على إيقاع الطلاق [[قوله: (فالآية دلت على إيقاع الطلاق) في (س) بدلاً منها (دلت على ذلك الآيتين) والصواب ما أثبته.]] في الطهر، ودلت السنة على أن ذلك الطهر يجب أن يكون غير مجامع فيه حتى يكون الطلاق سنيًّا. وهو ما روي في حديث ابن عمر أن النبي -ﷺ قال لعمر: "مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا من غير جماع" [[أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الطلاق 6/ 193، ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض 2/ 1095، وأبو داود في باب: طلاق السنة 2/ 410، وأحمد في "المسند" 2/ 46، 58.]]. وذكرنا أيضًا عن جماعة المفسرين أنهم قالوا: الطلاق للعدة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع. وروي عن الشعبي أنه قال: إذا طلقها وهي طاهرة فقد طلقها للسنة، وإن كان قد جامعها [[قال الجصاص: وهذا القول خلاف السنة الثابتة عن النبي -ﷺ- وخلاف إجماع الأمة، إلا أنه قد روي عنه ما يدل على أنه أراد الحامل، وهو ما رواه يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح عن بيان عن الشعبي قال: إذا طلقها حاملًا فقد طلقها للسنة، وإن كان قد جامعها، فيشبه أن يكون هذا أصل الحديث، وأغفل بعض الرواة ذكر الحامل. "أحكام القرآن" 3/ 452.]]، والقول هو الأول، وهو مذهب الفقهاء [[انظر: "المغني" 10/ 326، و"الحاوي الكبير" 10/ 114.]]. والمعنى فيه أنه إذا جامعها لم يؤمن أن تكون قد حملت من هذا الجماع، فإذا طلقها وبانت حاملًا ربما يندم الزوج على الطلاق لمكان الولد. وهذا كله إنما يتصور في البالغة المدخول بها غير الآيسة ولا الحامل، فأما الصغيرة، وغير [[(غير) ساقطة من (ك).]] المدخول بها، والآيسة، والحامل، فلا سنة في [[قوله: (ولا الحامل، فأما الصغيرة وغير المدخول بها والآيسة والحامل فلا سنة في) ساقطة من (س) وذكر بدلاً منها قوله: (والآيسة كالصغيرة وغير المدخول بها، والآيسة وغيرها في ذلك).]] طلاقهن ولا بدعة، ولا عدة على غير المدخول بها، والآيسة والصغيرة الحامل لا يعتدون بالأقراء [[انظر: "المغني" 11/ 194، و"المحلى" 10/ 256، و"مجموع الفتاوى" 33/ 7، و"المجموع شرح المهذب" 17/ 154، 156.]]، وأما الطلاق البدعي فهو أن يقع [[في (ك): (فهو أربع).]] في حال الحيض، وفي طهر قد جومع فيه، فهذا طلاق على غير السنة، وهو واقع وصاحبه آثم [[وهو قول عامة أهل العلم. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال. "المغني" 10/ 327. قلت: وما ذكراه وهم منهما رحمهما الله، فقد خالف في ذلك طاوس، وعكرمة، وخلاس وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وأهل الظاهر، كداود، وأصحابه، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد. وهو المرجح عند ابن تيمية. انظر: "مجموع الفتاوى" 33/ 72، 101، و"المحلى" 10/ 161.]]. وروي عن علي-رضي الله عنه- أنه قال: "لا يطلق رجل طلاق السنة فيندم" [[أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق السنة وطلاق البدعة 7/ 323، وابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب: الطلاق، باب: ما قالوا في طلاق السنة ومتى يطلق 5/ 2.]]. هذا الذي ذكرنا في وقت الطلاق، وليس في عدد الطلاق سنة وبدعة على مذهب الشافعي -رضي الله عنه-، حتى أنه لو [[في (س): قوله (لو) زيادة.]] طلقها ثلاثًا في طهر صحيح لم يكن قد ابتدع [[في (س): (ابدع)، وانظر: "الأم" 5/ 162، و"الحاوي الكبير" 10/ 117، و"المغني" 10/ 330.]]، بخلاف ما ذهب إليه أهل العراق، فإنهم قالوا: السنة في عدد الطلاق أن يواقع كل طلقة في طهر صحيح، فلو طلق ثلاثًا في طهر واحد كان مبتدعًا [[انظر: "شرح فتح القدير" 3/ 466 - 467، و"الحاوي الكبير" 10/ 118، و"المغني" 11/ 336.]]، والآية تدل على مذهب الشافعي، وهو قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ وهذا اللفظ للأمر [[في (س): (للأمر) زيادة.]] بالواحدة فما زاد. قال صاحب النظم: قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ صفة للطلاق كيف يكون، وهذه اللام تجيء لمعانٍ مختلفة: للإضافة وهي أصلها، ولبيان السبب والعلة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: 9]، وكقوله: قمت لأضرب زيدًا. ثبتت اللام بسبب الإطعام والضرب. وإذا كانت اللام بهذا المعنى سميت لام أجل. وتكون بمنزلة عند مثل قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78] أي: عنده، وتكون بمنزلة في مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: 2] أي: في أول الحشر. وهي في هذه الآية بهذا المعنى؛ لأن المعنى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [[في (س): (في عدتهن).]] أي: في الزمان الذي يصلح لعدتهن [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 30.]]، ومنه قول الشاعر [[لم أجده.]]: وهم كتموني سرهم حين أزمعوا ... وقالوا أتعدنا للرواح وبكروا والمعنى: أتعدنا للسير في الرواح، قال: وفي قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وفي إجماع الناس في [[قال ابن قدامة: (أجمع العلماء في جميع الأمصار وكل الأعصار على تحريمه، ويسمى طلاق الدعة ...) "المغني" 10/ 324.]] الطلاق في الحيض مكروه ممنوع منه، وفي الطهر مأذون فيه، وفي تسميته عَزَّ وَجَلَّ الوقت الذي أذن فيه في الطلاق عدة وهي الطهر دليل على أن القرء هو الطهر إذ سمى العدة أقراء في سورة البقرة [[في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: 228].]]، ثم جعلها طهرًا في هذه السورة [[وهو قول أهل الحجاز، وعائشة، وابن عمر، زيد بن ثابت، والزهري، والشافعي، وقال أهل الكوفة وعمر، وعلي، وابن مسعود وغيرهم، الأقراء: الحيض. انظر: "المغني" 11/ 199 - 200، و"أحكام القرآن" للجصاص 1/ 364، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 184، و"الجامع لأحكام القرآن" 3/ 113.]]، فإن قيل: على هذا قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ معناه لقُبُل عدتهن وهي [[في (س): (وهو).]] قراءة النبي -ﷺ- وابن عباس [[ذكر هذه القراءة ابن جرير، وعبد الرزاق، ونسبت لابن عباس، ونسبها الزمخشري للنبي-ﷺ- ونسبها أبو حيان لجماعة من الصحابة والتابعين. انظر: "تقسير عبد الرزاق" 2/ 336، و"جامع البيان" 28/ 84، و"الكشاف" 4/ 107، و"البحر المحيط" 8/ 281، وقال أبو حيان: هو على سبيل التفسير لا على أنه قرآن، لخلافه لسواد المصحف الذي أجمع عليه المسلمون شرقًا وغربًا. وقال النووي: هذه قراءة ابن عباس، وابن عمر. وهي شاذة لا تثبت قرآنًا بالإجماع ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا، وعند محققي الأصوليين، والله أعلم. "شرح النووي على صحيح مسلم" 10/ 69. قلت: ونسبة هذه القراءة للنبي-ﷺ- كما ذكر المؤلف والزمخشري تجاوز وعدم تحقيق، إذ القراءات جميعها لا تثبت إلا عن طريقه -ﷺ- فنسبتها إليه يخرج غيرها وهذا مخالف للعقل والنقل، فنسبتها إلى غيره من الصحابة والتابعين هو الصواب، ثم ينظر في ثبوتها من عدمه، والله أعلم. وقال ابن حزم: وهذا مما قرئ ثم رفعت لفظة (في قُبُلِ) وأنزل الله تعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهكذا رويناه من طريق الدبري ... وهذا إسناد في غاية الصحة لا يحتمل التوجيهات. "المحلى" 10/ 166.]]. وقبل عدتهن آخر الطهر، إقبال الحيض الذي هو زمان العدة، قيل: هذا لا يصح؛ لأنه لو كان الأمر على هذا لزم أن يقال: إن من طلق في أول الطهر لا يكون مطلقًا للعدة ولا لقبل العدة؛ لأن الحيض لم يقبل بعد لإقبال الطهر في هذا الوقت، ويستحيل أن يكون الطهر والحيض مقبلين معًا في وقت واحد؛ لأن الشيء إذا كان له إقبال وإدبار وإذا انقضى إقباله ودخل إدباره لا يكون ضده مقبلًا في إدباره إلا بعد إنقضاء آخر إدباره، ولو جاز أن يكون إقبال شيء في إدبار غيره الذي هو ضده لكان الصائم مفطرًا قبل مغيب الشمس، إذ الليل عنده مقبل في إدبار النهار وقبل انقضاء إدبار النهار. وهذا ما لا يقوله أحد، وقوله-ﷺ-: "إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا .. " [[حديث متفق عليه، رواه البخاري في كتاب: الصوم، باب: يفطر بما تيسر من الماء أو غيره 3/ 47 ومسلم في كتاب: الصيام، باب: وقت انقضاء الصوم وخروج النهار 2/ 772.]] يريد إدبار النهار بتمامه، وإقبال الليل بعد تمام إدبار النهار، وليس قوله عَزَّ وَجَلَّ فطلقوهن لقبل عدتهن تحديًا، لئلا يكون الطلاق إلا فيه دون ما بعده من الوقت؛ لأن أول الطهر وآخره كله وقت الطلاق إذ لم يذكر في الكتاب منع الطلاق في شيء منه. وقد قال النبي -ﷺ-: "صوموا لرؤيته .. " [[متفق عليه، رواه البخاري في كتاب: الصوم، باب: قول النبي -ﷺ-: "إذا رأيتم الهلال فصوموا" 3/ 34، ومسلم في كتاب: الصوم، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال 2/ 759، وأخرجه الترمذي في أبواب الصوم، باب ما جاء: لا تقدموا الشهر بصوم 3/ 68، والنسائي في كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث 2/ 459.]]، يعني الهلال، والصوم لا يكون بعده إلا بساعات مديدة. فإن قيل: إذا طلق في آخره [[في (س): (آخر النهار) والصواب ما أثبته.]] واعتد بذلك الطهر قرءًا واحدًا وربما كان يومًا أو ساعة فقد جعلتم العدة دون ثلاثة أقراء إذ لم يكن الطهر فيه قرءًا تامًا. قيل: يجوز أن يسمي بعض الطهر قرءًا تامًا لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] يعني شوالًا وذا القعدة وبعض ذي الحجة، وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: 203] وهو ينفر في بعض اليوم [[في (س): (اليوم) زيادة.]] الثاني، فسمى الله عَزَّ وَجَلَّ يومًا واحدًا وبعض آخر يومين [[انتهى كلام الجرجاني، ولم أجد من ذكره بكامله عنه غير المؤلف وهو كلام نفيس ظاهر الدلالة والمعنى. انظر: "التفسير الكبير" 30/ 30.]]. قوله تعالى ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، قال أصحابنا إنما أمرنا بإحصاء العدة لفوائد منها: أن يوزع الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثًا وهو أحسن من جمعها في قرء واحد؛ لأنه ربما يندم، وإذا فرق أمكنه المراجعة قبل إيقاع الثلاث، ومنها أيضًا مراعاة النفقة والسكنى والعلم ببقاء زمان المراجعة وانقضائه وغير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ﴾. قال مقاتل: اخشوا الله فلا تعصوه فيما أمركم [[انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 32.]]. قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ لا يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي يساكنها فيه قبل الطلاق، إن كان ملكًا له أو بكراء في يديه، وإن كان عارية فارتجعت كان على الزوج أن يكتري لها منزلاً، وعلى المرأة حق لله ألا تخرج [[قوله: (المرأة حق الله ألا تخرج) في (س): (المرأة أيضًا لحق الله أن لا تخرج).]] في عدتها إلا لضرورة ظاهرة، فإن خرجت أثمت سواء خرجت ليلاً أو نهارًا، ولا تنقطع العدة [[انظر: "المجموع" 18/ 175.]]. قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: هو أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها [[أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن عطاء الخراساني قال: كان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وكانت المرأة إذا أتت بفاحشة أخرجت ولم يذكرا ابن عباس في هذا الأثر. انظر: "الدر" 6/ 231.]]، وهو قول الضحاك، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والشعبي، ومجاهد [[في (س): (وعكرمة والشعبي ومجاهد) زيادة. وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 139 ب، و"زاد المسير" 8/ 289، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 378.]] والأكثرين، فالفاحشة على هذا القول الزنا. وقال ابن عمر: الفاحشة خروجها قبل انقضاء العدة [[انظر: "جامع البيان" 28/ 87، و"الكشف والبيان" 12/ 139 ب، و"المستدرك " 2/ 491.]]، وهو قول السدي، والكلبي، وروي ذلك عن الشعبي [[في (س): (وروى ذلك عن الشعبي) زيادة. وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 357، و"زاد المسير" 8/ 289، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا. والمراد بأهلها، أي: أهل زوجها؛ لأنها أصبحت منهم. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 88.]]. وقال مقاتل: الفاحشة المبينة هي العصيان البين، وهو النشوز [[انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 32.]]. وهو قول الضحاك، وقتادة، ورواية عكرمة عن ابن عباس قال إلا أن تبذو على أهلها [[انظر: "جامع البيان" 28/ 86، و"الكشف والبيان" 12/ 140 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 357. قال ابن قدامة: وهي أن تطيل لسانها على أحمائها وتؤذيهم بالسب ونحوه. روى ذلك عن ابن عباس، وهو قول الأكثرين. قلت: نسب الثعلبي والواحدي القول بأن الفاحشة المبينة هي الزنا للأكثرين، ونسب ابن قدامة القول بأنها إيذاء القرابة بـ"اللسان" للأكثرين أيضًا، ونسب القول الأول لابن مسعود، والحسن، قم قال: ولنا أن الآية تقتضي الإخراج عن السكنى، وهذا لا يتحقق فيما قالاه. انظر: "المغني" 11/ 293. قلت: ولعل مراده بالأكثرين من الفقهاء، ومراد غيره الأكثرين من المفسرين، والله أعلم. وذكر ابن كثير: شمول الآية للمعنيين، وهو الظاهر، إلا أن خروجها للزنا الذي صدر عنها إنما هو إخراج لإقامة الحد، ولا تنقضي به العدة فحسب، بل تنقضي به الحياة. انظر: "تفسير ابن كثير" 4/ 378.]]. ونحو ذلك روي عن جابر بن زيد قال: هي النشوز وسوء الخلق إذا نشزت وساء خلقها أخرجها [[لم أجده، وهو داخل في الأقوال السابقة.]]. وقال مقسم: أي إذا عصتك أو آذتك، فهي إذا زنت أو نشزت أو خرجت في عدتها كان للزوج إخراجها من البيت وانقطعت سكناها [[لم أجده، ولعله لا يخرج عن الأقوال السابقة.]]. قوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ يعني ما ذكر من طلاق السنة وما بعده من الأحكام [[وهو اختيار ابن جرير والجصاص وغيرهما. انظر: "جامع البيان" 28/ 87، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 454.]]. قال مقاتل والضحاك: وتلك طاعة الله وسنته وأمره [[انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"جامع البيان" 28/ 87.]]. ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ﴾ قال أبو إسحاق: هذا تشديد فيمن تعدى طلاق السنة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 184.]]، وقال مقاتل: ومن يطلق لغير العدة [[انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 33.]]. ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. قال ابن عباس: أثم [[والذي ذكر عنه قوله (ضر نفسه). انظر: "تنوير المقباس" 6/ 89، و"التفسير الكبير" 30/ 33.]]. وقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ قال ابن عباس: يريد الندم على طلاقها والمحبة لرجعتها [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 89، و"معالم التنزيل" 4/ 357.]]. وقال مقاتل: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد التطليقة والتطليقتين [[انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 357.]]، ﴿أَمْرًا﴾ يعني: المراجعة. وقال الشعبي: لا تدري لعلك تندم فيكون لك سبيل إلى المراجعة [[انظر: "الدر" 6/ 232، وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد عن الضحاك والشعبي.]]. وقال الضحاك: لعله أن يراجعها في العدة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 498، و"جامع البيان" 28/ 87، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 378، وهو المروي عن عطاء، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والثوري.]]، وهذا دليل على أن المستحب في التطليق أن يوقع متفرقًا ولا يجمع بين الثلاث لقوله: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ وهو الندم على الطلاق، وإرادة المراجعة، وذلك إنما ينفع إذا لم يجمع الطلقات. قال أبو إسحاق: وإذا طلقها ثلاثًا [[في (س): (ثلاثًا) زيادة.]] في وقت واحد فلا معنى في قوله: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 183.]].