الباحث القرآني

فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفࣲ وَأَشۡهِدُوا۟ ذَوَیۡ عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ یُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِۚ وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، قال: أي قارين انقضاء العدة، وليس يريد إنقضاء أجلهن، فالمراد ببلوغ الأجل هاهنا مقاربة البلوغ، وهذا كقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: 231] يريد مقاربة البلوغ هناك وهاهنا لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وهذا مفسر في الآية التي ذكرناها في سورة البقرة [[وذلك عند تفسيره الآية (231) من سورة البقرة. والإمساك بالمعروف هو ما تعارف عليه الناس بينهم مما تقبله النفوس، ولا تنكره العقول، وهو القيام بما يجب لها من حق على زوجها من نفقة وغير ذلك. وقيل: هو أن يحسن في أمرها إذا طلقها، ولم يبق من العدة إلا اليسير فإما أن يشهد على الرجعة، وينوي حسن العشرة، وإما أن يتركها من غير شقاق ولا مخاصمة. وانظر: "جامع البيان" 2/ 293، و"الجامع لأحكام القرآن" 3/ 156.]]. قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال المفسرون: أمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة ذوي عدل [[وبه قال ابن عباس، وعمران بن حصين، وابن جريج، والسدي. انظر: "تنوير المقباس" 6/ 90، و"جامع البيان" 28/ 88، و"ابن كثير" 4/ 379.]]. وللشافعي -رحمه الله- في الإشهاد على الرجعة قولان: أحدهما: أنها لا تصح إلا بالإشهاد للآية. والآخر: أنها تصح من غير إشهاد كما تصح من غير ولي ومن غير رضاها [[انظر: "الأم" 5/ 226 - 227، و"المجموع" 17/ 269.]]، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة [[انظر: "بدائع الصنائع" 4/ 1975.]]، ولأنها في حكم الزوجات بدليل ثبوت التوارث ولحوق الطلاق والظهار [[في (س): (والظهار) زيادة.]]، والإيلاء والانتقال إلى عدة الوفاة إذا مات الزوج، والإشهاد إنما أمر به للاحتياط مخافة أن تنكر المرأة الرجعة فتنقضي العدة فتنكح زوجًا آخر [[انظر: "المغني" 10/ 559.]]. ثم خاطب الشهداء فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ وهو مفسر في سورة البقرة [[عند تفسيره الآية (282) من سورة البقرة. ومما قال: وقد ذكر الله الكتاب لأن الكتاب يذكر الشهود فتكون الشهادة أقوم من أن لو شهدوا على ظن ومخيلة. ومعنى أقوم أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج، وذلك أن المنتصب القائم يكون ضد المنحني المعوج.]] إلى قوله [[في (ك): (إلى قوله قوله).]]: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجً﴾، قال الشعبي: من يطلق للعدة يجعل الله له سبيلًا إلى الرجعة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 141 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 357، و"التفسير الكبير" 30/ 34، وزادوا نسبته لعكرمة والضحاك.]]. وقال الربيع بن خيثم: يجعل له مخرجًا من كل أمر ضاق على الناس [[انظر: "جامع البيان" 28/ 89، و"الكشف والبيان" 12/ 141 ب، و"الدر" 6/ 232.]]، وهو معنى قول ابن عباس: ومن يخف الله يجعل له مخرجًا من كل ضيق [[انظر: "جامع البيان" 28/ 89، و"الدر" 6/ 232، ولفظه (ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة).]]. وقال الكلبي: ومن يصبر على المصيبة، يجعل الله له مخرجًا من النار إلى الجنة [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 90، و"التفسير الكبير" 30/ 34.]]. وقال أكثر المفسرين: نزل هذا وما بعده في عوف بن مالك الأشجعي، أسر العدو ابنًا له فأتى النبي -ﷺ فذكر له ذلك وشكا إليه الفاقة، فقال له: اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله [[في الحديث الصحيح عن النبي -ﷺ- قال: "أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنوز الجنة". وانظر: "صحيح الجامع" 1/ 388 (1225)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" 4/ 33 (1528).]]: ففعل ذلك. فبينا هو في بيته إذا أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو فأصاب إبلًا وجاء بها إلى أبيه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وهو قول المقاتلين، وسالم ابن أبي الجعد والكلبي [[في (س): (والكلبي) زيادة. وانظر: "تفسير مقاتل" 158 ب، و"تنوير المقباس" 6/ 91، و"جامع البيان" 287/ 89، و"أسباب النزول" للواحدي 502.]]. قال أبو إسحاق: وجائز أن يكون المعنى أنه اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله ففتح الله عليه إن كان ذا ضيقة، ورزقه من حيث لا يحتسب، قال: وجائز أن يكون إذا اتقى الله في طلاقه وجرى في ذلك على السنة يرزقه الله أهلًا بدل أهله [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 184. وقال النحاس: أهل التفسير على أن المعنى أنه إن اتقى الله جل وعز وطلق واحدة فله مخرج إن أراد أن يتزوج تزوج دن لم يتق الله جل وعز وطلق ثلاثاً فلا مخرج له. وهذا قول صحيح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس بالأسانيد التي لا تدفع. "إعراب القرآن" 3/ 452. قلت: حمل الآية على العموم أولى، وما ورد عن السلف رحمهم الله هو من باب == التمثيل لا الحصر، وليس بين تلك الأقوال تعارض، والله أعلم.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ أي: ومن وثق به فيما نابه كفاه الله ما أهمه، ولذلك قال رسول الله -ﷺ: "من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله" [[لم أقف عليه.]]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد في جميع خلقه [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 34.]]، والمعنى: سيبلغ الله أمره فيما يريد منكم، ومن أضاف حذف التنوين استخفافًا [[قرأ حفص ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ مضافًا. وقرأ الباقون ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بالتنوين. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 300، و"حجة القراءات" ص 712، و"النشر" 2/ 388، و"الإتحاف" ص 418.]] وهو مراد كما ذكرنا، في قوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ [[تقدم بيان القراءة فيها.]] [القمر: 27]، و ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]. قال مسروق: إن الله واقع قدره على من يتوكل أو لم يتوكل، إلا أن [[(س): (أن) زيادة.]] من يتوكل عليه يجعل له من أمره مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب [[انظر: "جامع البيان" 28/ 90، و"الكشف والبيان" 12/ 142/ ب، و"معالم التنزيل" 3/ 358.]]. ﴿قد جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ قال الكلبي ومقاتل: لكل شيء من الشدة والرخاء أجلًا ينتهي إليه قدر الله، ذلك كله لا يقدم ولا يؤخر [[انظر: "تفسير مقاتل" 158 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 34.]]. وقال ابن عباس: يريد قدرت ما خلقت بمشيئتي [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 34.]].