الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ اختلفوا في الذي حرمه النبي -ﷺ- على [[في (ك)، (س): (عن).]] نفسه، فروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله -ﷺ- إذا صلى الصبح دخل على أزواجه امرأة امرأة يسلم عليهن، وكانت حفصة قد أهدي لها عسل، وكان النبي -ﷺ- إذا دخل عليها تحبسه عندها وتسقيه منه، فيجلس النبي -ﷺ- عندها، وفطنت عائشة بذلك فجمعت أزواج النبي -ﷺ-وقالت لكل واحدة منهن، إذا دخل عليك [[في (ك): (عليك) زيادة.]] النبي -ﷺ- فقولي [[في (ك): (عليك فتقول).]]: ما هذا الريح نجدها منك؟ أكلت مغافير [[المغافير: صمغ يسيل من شجر العرفط حلو غير أن رائحته ليست بطيبة. "اللسان" 2/ 749 (عرفط).]]؟ فإنه يقول: لا. سقتني حفصة عسلًا. فقولي: جرست نحلة العرفط [[جرست النحلة أي أكل ورعت، وهو لحسها إياه ثم تعسله، ولا يقال جرس بمعنى رعى إلا للنحل. والعرفط (بضم العين والفاء وتسكين الراء): شجر خبيث الريح، وهو من أخبث == المراعي، وقيل: هو شجر الطلح، وله صمغ كريه الرائحة، فهذا أكلته النحل حصل في عسلها من ريحه وهو المغافير. "اللسان" 1/ 440 (جرس) 2/ 749 (عرفط).]]. فدخل النبي -ﷺ- على امرأة امرأة وهن يقلن له ذلك، ثم دخل على عائشة فقالت له ذلك أيضًا. فلما كان من الغد دخل على حفصة فسقته فأبى أن يشربه وحرمه على نفسه، وكان يكره أن يوجد منه ريح منتنة، لأنه يأتيه الملك، فأنزل الله هذه الآية [[حديث متفق عليه، وهو هنا بألفاظ قريبة مما في الصحيح. وانظر: "صحيح البخاري"، كتاب: الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك 7/ 560 ومسلم، كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1101، "سنن أبي داود" كتاب: الأشربة، باب: في شراب العسل 2/ 708، و"سنن النسائي"، كتاب: الطلاق، باب: تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ 2/ 721، و"جامع البيان" 28/ 102.]]. وهذا قول ابن أبي مليكة، وعبد الله بن عتبة. وروى عبيد بن عمير عن عائشة أن النبي -ﷺ- كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلًا ثم ذكر القصة [[متفق عليه. رواه البخاري، في التفسير، سورة التحريم 6/ 194. ومسلم كتاب: الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1100.]]، ونحو هذا ذكر أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 191.]]. وفي تفسير عطاء الخراساني أن التي كانت تسقي رسول الله العسل أم سلمة [[أخرجه ابن سعد، عن عبد الله بن رافع. "الدر" 6/ 239.]]. وقال المقاتلان: ... رسول الله -ﷺ- في بيت حفصة، فزارت أباها فلما رجعت أبصرت مارية ... النبي -ﷺ- فلم تدخل حتى خرجت مارية، ثم دخلت وقالت: إني رأيت مارية معك في البيت، وكان ذلك في يوم عائشة، فلما رأى النبي -ﷺ- في وجه ... والكآبة قال لها: لا تخبري ولك عليّ أن لا أقربها أبدًا. فأخبرت حفصة عائشة -وكانتا مصافيتين- فغضبت عائشة ولم تزل بالنبي -ﷺ- حتى حلف أن لا يصيبها [[في (س): (والكلبي) زيادة.]]، فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "تفسير مقاتل" 19 ب، و"تنوير المقباس" 6/ 96، و"الكشف والبيان" 12/ 147 أ.]]. وروى عطاء عن ابن عباس أن هذه القصة وقعت في بيت [[(بيت) ساقطة من (ك).]] عائشة -وعائشة كانت عند أمها- وعلمت حفصة بذلك، فأخبرت عائشة [[انظر: "جامع البيان" 28/ 101، و"الدر" 6/ 239.]] ... عائشة: في بيتي، وفي يومي؟ فأرضا رسول الله -ﷺ- بأن حلف لها أن لا يصيبها [[في (س): (والشعبي) زيادة.]]. وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، والشعبي، ومسروق، ورواية ثابت عن أنس [[أخرجه الحاكم 2/ 493 وصححه. قال ابن حجر: وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس ... وهذا أصح طريق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال ... وذكره بأطول مما هنا. "فتح الباري" 9/ 376، وفي "تفسير ابن كثير" 4/ 386 قال: وقال الهيثم بن كليب في "مسنده": .. وذكر ما يدل على تعلق القصة بمارية. ثم قال: وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الضياء المقدسي في كتابه المستخرج. ورجح النووي، وابن كثير نزول الآية في قصة العسل، وهو قول القاضي عياض. انظر: "شرح النووي على مسلم" 10/ 77، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 386. ورجح الجصاص، وابن حجر، وغيرهما نزولها في شأن مارية القبطية. انظر: "أحكام القرآن" 3/ 464، و"فتح الباري" 9/ 290، و"فتح القدير" 5/ 252. وقال ابن حجر أيضًا: فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معًا. "الفتح" 8/ 657.== وقال: وطريق الجمع بين هذا الاختلاف العمل على التعدد، فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد. "فتح الباري" 9/ 376. وعموم الآية للسببين وغيرهما هو اختيار ابن جرير وغيره. انظر: "جامع البيان" 28/ 102، و"روح المعاني" 28/ 151.]]. قال مسروق: حرم رسول الله -ﷺ- أم ولده وحلف أن لا يقربها فأنزل الله هذه الآية. فقيل له: أما الحرام فحلال، وأما اليمين التي حلفت عليها فقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [[أخرجه ابن جرير وابن سعد. انظر: "جامع البيان" 28/ 100، و"الدر" 6/ 240. وقال ابن حجر: ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى مسروق قال: ... وذكر نحوه. "فتح الباري" 8/ 657.]]. وقال الشعبي: كان مع الحرام يمين فعوتب في الحرام وأمر أن يكفر اليمين، فذلك قوله: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [[انظر: "جامع البيان" 28/ 100. وقال ابن حجر: قال البيهقي: (.. أخرجه الترمذي، وابن ماجه بسند رجاله ثقات من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق.) "فتح الباري" 9/ 373.]]. قال صاحب النظم: قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ استفهام فيه إنكار، والإنكار من الله عز وجل نهي، وتحريم الحلال [[في (ك): (الحرام).]] مكروه، ولا يحرم الحلال إلا بتحريم الله عز وجل [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 42.]]. قال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: جعلت امرأتي عليّ حرام قال: كذبت، ليس عليك حرام، ثم تلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية، عليك أغلظ الكفارات رقبة [[أخرجه النسائي، والحاكم في "المستدرك" 2/ 493 ولم يذكر قوله: عليك أغلظ == وقال ابن حجر: وكأنه أشار عليه بالرقبة لأنه عرف أنه موسر، فأراد أن يكفر بالأغلظ من كفارة اليمين لا أنه تعين عليه عتق رقبة. "فتح الباري" 9/ 376.]]. قوله تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ} قال صاحب النظم: ﴿تَبْتَغِي﴾ حال خرجت مخرج المضارع. والمعنى: لم تحرم ما أحل الله لك مبتغيًا مرضاة أزواجك [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 42.]].