الباحث القرآني

قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال مقاتل: يعني قد بين الله، كما قال: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] [[انظر: "تفسير مقاتل" 159 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 43.]]. وقال غيره: قد أوجب، وهو اختيار ابن قتيبة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 472.]]. وذكر صاحب النظم القولين، وقال: إذا وصل بعلى لم يحتمل غير الإيجاب كقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: 50]، وإذا وصل باللام احتمل الوجهين، فإن حمل على الإيجاب كان اللام بمعنى على كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] وقوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي تحليلها بالكفارة. و ﴿تَحِلَّةَ﴾ على وزن تفعلة، وأصله تحللة فأدغمت [["سر صناعة الإعراب" 2/ 762: حيث أدغمت اللام في اللام.]]، وتفعلة من مصادر تفعل كالتوصية، والتسمية. ومن المضاعف التعزة والتغرة. وتحلة القسم تكون بمعنيين: أحدهما: تحليله بالكفارة كالذي في هذه الآية. والآخر: يستعمل بمعنى الشيء القليل. وهذا هو الأكثر في الاستعمال [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 43.]]، كما روي في الحديث: "لن يلج النار إلا تحلة القسم" [[متفق عليه، و"صحح البخاري"، كتاب: الأيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ 8/ 167، و"صحيح مسلم"، كتاب: الأدب، باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه 4/ 2028، ولفظه: "يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم".]]، يعني زمانًا يسيرًا. وذلك أن القسم يتحلل بما يقع عليه الاسم كمن حلف أنه لا يأكل الخبز، يخرج عن يمينه بأدنى ما يقع عليه الاسم، وكذلك في كل شيء، ومنه قول الشاعر [[ورد البيت في "اللسان" 1/ 705 (حلل) ولم ينسبه.]]: أرى إبلي عاقت جدود فلم تذق ... بها قطرةً إلا تحلَّة مقسم وذكرنا عن جماعة من المفسرين أن النبي -ﷺ- حلف أن لا يطأ جاريته فذكر الله تعالى له ما أوجب من كفارة اليمين. قال مقاتل: قد بين الله كفارة أيمانكم في المائدة [: 89]. والذين رووا من المفسرين أنه حلف قالوا: تلزم الكفارة في تحريمه الجارية على نفسه، كما تلزم في اليمين [[وهو قول قتادة، ومسروق، والشعبي، وزيد بن أسلم، والضحاك، وغيرهم. انظر: "جامع البيان" 28/ 100، و"زاد المسير" 8/ 307، و"الدر" 6/ 240.]]. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الحرام يمين [[أخرجه البخاري في مواضع، ولفظه: (إذا حرم امرأته ليس بشيء). وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ كتاب الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك 7/ 56، وفي كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، ولفظه: (في الحرام يكفر) 6/ 194. == قال ابن حجر في "الفتح" 9/ 376، وأخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المبارك الصوري عن معاوية بن سلام بإسناد حديث الباب بلفظ: (إذا حرم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها)، فعرف أن المراد بقوله: (ليس بشيء)، أي: ليس بطلاق. وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق 2/ 1100.]]. والحكم في هذا أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت علي حرام ولم ينو طلاقًا ولا ظهارًا كان هذا اللفظ موجبًا لكفارة اليمين، وكذلك لو قال لأمته وجب كفارة يمين [[وبه قال عامة أهل العلم. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 465، و"المغني" 10/ 61، و"فتح الباري" 9/ 371.]]، وكذلك لو قال لنسائه وجواريه: أنتن عليّ حرام. كفته كفارة واحدة. نص عليه الشافعي -رحمه الله- [[قال النووي: فيه قولان للشافعي أصحهما يلزمه كفارة يمين. "شرح النووي على مسلم" 10/ 73، وقال ابن قدامة في "المغني" 10/ 396: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام وأطلق فهو ظهار. وقال الشافعي: لا شيء عليه. وله قول آخر عليه كفارة يمين، وليس بيمين.]]. فأما إذا حرم على نفسه طعامًا أو شيئًا آخر سوى الفرج لم يلزمه بذلك كفارة [[وهو مذهب الشافعي، ومالك، والجمهور، وفي المسألة أربعة عشر مذهبًا كما حكاه القاضي عياض، وبلغت عند القرطبي ثمانية عشر، وزاد غيره عليها. انظر: "شرح النووي على مسلم" 10/ 74، و"فتح الباري" 9/ 372. وقال الألوسي: وهي في هذه المسألة كثيرة جدًّا، وفي نقل الأقوال عن أصحابها اختلاف كثير أيضًا. "روح المعاني" 28/ 149.]]، والآية محمولة على تحريم الجارية، أو على تحريم العسل مع اليمين، لأنه قد روي أنه مع ذلك التحريم حلف [[ورد في رواية البخاري في بلفظ: (وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا). قال ابن== حجر: واستدل القرطبي وغيره بقوله: (حلفت) على أن الكفارة التي أشير إليها في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله: (حلفت)، فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم. وهو استدلال قوي لمن يقول إن التحريم لغو لا كفارة فيه بمجرده. "فتح الباري" 9/ 378.]]، ولو حرم على نفسه ركوب دابة أو لبس ثوب لم يجب عليه كفارة إذا لم يحلف. قال المقاتلان: أمر الله نبيه -ﷺ- أن يكفر يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، وهو قول زيد بن أسلم وغيره. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 185.]]. قال أبو إسحاق: وعلى التفسيرين ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله، ولم يجعل الله لنبيه أن يحرم إلا ما حرم الله [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 192.]]. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: وليكم وناصركم، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بخلقه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما فرض من حكمه.