الباحث القرآني

إِن تَتُوبَاۤ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَـٰهَرَا عَلَیۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِیلُ وَصَـٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۖ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ ظَهِیرٌ
ثم خاطب عائشة وحفصة فقال قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي من التعاون على النبي -ﷺ- بالإيذاء: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قال المفسرون: عدلت ومالت [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 302، و"مجاز القرآن" 2/ 261، و"جامع البيان" 28/ 104.]] عن الحق، وهما أنهما أحبا ما ذكره النبي -ﷺ- من اجتناب جاريته فلذلك صغو قلبيهما [[في (س): (قلبهما) وهو قول ابن زيد. انظر: "جامع البيان" 28/ 104، و"الكشف والبيان" 12/ 148 ب. قال الألوسي: وإنما لم يفسروا: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ بمالت إلى الواجب، أو الحق، أو الخير، حتى يصح جعله جوابًا من غير احتياج إلى نحو ما تقدم؛ لأن صيغة الماضي، وقد، وقراءة ابن مسعود: (فقد زاغت قلوبكما) وتكثير المعنى مع تقليل اللفظ تقتضي ما سلف. انظر: "روح المعاني" 28/ 152.]]، وجواب الشرط محذوف للعلم به على تقدير: كان خيرًا لكما [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 189.]]. والمراد بالجمع في قوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ التثنية. قال الفراء: وإنما اختير الجمع على التثنية؛ لأن أكثر ما تكون عليه الجوارح اثنين اثنين في الإنسان، كاليدين والرجلين والعينين، فلما جرى أكثره على هذا ذهب بالواحد منه إذا أضيف إلى الاثنين مذهب الاثنين [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 44.]]. وقد ذكرنا شرح هذا عند قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، وتفسير الصغو قد تقدم أيضًا عند قوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ [[والصغا: ميل في الحنك أو إحدى الشفتين، وأصغيت الإناء إذا أملته. انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 159، و"اللسان" 2/ 445 (صغا).]] [الأنعام: 113]. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾، أي: يتظاهرا ويتعاونا على النبي -ﷺ- بالمعصية [[في (ك): (والمعصية).]] والإيذاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾، أي: لم يضره ذلك التظاهر منكما فإن الله هو مولاه. قال ابن عباس: موال له على من عاداه، وناصر له [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 98، و"معالم التنزيل" 4/ 366، و"زاد المسير" 8/ 310.]]. وقال مقاتل: ولي له في العون [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ.]]، يعني يتولى نصرته. ﴿وَجِبْرِيلُ﴾ وليه، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد أبا بكر وعمر مواليين [[في (ك): (والنبيين).]] للنبي -ﷺ- على من عاداه، وناصرين له. وهو قول المقاتلين وعكرمة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 44، و"البحر المحيط" 8/ 291.]]. وروى ذلك عن عبد الله مرفوعًا أن النبي -ﷺ- قال: "إن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر" [[قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 127: رواه الطبراني وفيه عبد الرحيم بن زيد العمي، وهو متروك.]]. وقال المسيب بن شريك [[مسيب بن شريك. أبو سعيد التميمي. سكتوا عنه، مات سنة 186 هـ انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 408.]]: هو أبو بكر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"زاد المسير" 8/ 310، عن مكحول عن أبي أمامة.]]. وقال سعيد بن جبير: هو عمر [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"الدر" 6/ 244، ونسب إخراجه لسعيد ابن منصور وابن سعد وابن المنذر.]]. وقال الضحاك: يعني به خيار المؤمنين [[انظر: "جامع البيان" 28/ 105، و"التفسير الكبير" 30/ 44.]]. ولفظ الآية على ما قال. ونحو ذلك قال الكلبي: هم المخلصون الذين ليسوا بمنافقين [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 151 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 366.]]. قال الفراء: وصالح المؤمنين مثل أبي بكر وعمر، الذين ليس فيهم نفاق، وهو موحد في مذهب جمع كما تقول: لا يأتيني إلا سائس الحرب، فمن كان ذا سيسة للحرب فقد أمر بالمجيء واحداً كان أو أكثر [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 167.]]. وقال الزجاج: وصالح المؤمنين هاهنا ينوب عن الجميع كما تقول: يفعل هذا الخيرُ من الناس؛ تريد كل خيّر [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 193.]]، هذا كلامهما. وقد حصل أن قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يجوز أن يراد به الواحد والجماعة، ثم الكلام في التعيين والتفصيل يكون إلى المفسرين على ما حكينا عنهم. وقال قتادة وسفيان: صالح المؤمنين هم الأنبياء [[انظر:"تفسير عبد الرزاق" 2/ 302، و"جامع البيان" 28/ 105. قلت: وهذا المعنى بعيد عن ظاهر الآية، وأي فائدة في موالاة الأنبياء عليهم السلام لنبينا -ﷺ- في هذه القصة، والله أعلم.]]. وعلى هذا معنى الآية: أن الأنبياء يوالونه وهم له أولياء، كما أن الله تعالى وليه وجبريل وليه. أي فلا يضره معاداة من عاداه. وأظهر هذه الأقوال قول من قال: إن المراد بصالح المؤمنين أبو بكر وعمر؛ لأن الخطاب في هذه الآية لابنتيهما عائشة وحفصة، وكأنه قيل لهمما: إن تعاونتما على إيذاء النبي -ﷺ- فإن أبويكما لا يوافقانكما ولا يتظاهران معكما، فإنهما وليا رسول الله [[قال الآلوسي: (... وهما وزيراه وظهيراه في تدبير أمور الرسالة وتمشية أحكامها الظاهرة مع أن بيان مظاهرتهما له عليه السلام أشد تأثيرًا في قلوب بنتيهما وتوهينًا لأمرهما). انظر: "روح المعاني" 287/ 154. قلت: وممن قال بعموم اللفظ ابن جرير والنحاس وغيرهما. انظر: "جامع البيان" 28/ 108، و"روح المعاني" 28/ 154. وقال النحاس: فمن أصح ما قيل فيه أنه لكل صالح من المؤمنين، ولا يخص به واحد إلا بتوقيف. "إعراب القرآن" 3/ 462، وفي "تنوير المقباس" 6/ 98 قال: (جملة المؤمنين المخلصين أعوان له عليكما مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- ومن دونهم ...). وعلى هذا فحمل الآية على عمومها أولى وآكد والصديق والفاروق أولى الناس بنصرة النبي وموالاته، ولو فرض -وهو محال- أنهما نصرا ابنتيهما فبقية المؤمنين في نصرة النبي ومؤازرته -ﷺ-. وهذا أبلغ في حق عائشة وحفصة -رضي الله عنهما-.]]. قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: بعد الله وجبريل وصالح المؤمنين: ﴿ظَهِيرٌ﴾ قال يعني: أعوان النبي -ﷺ- [[انظر: "تفسير مقاتل" 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 366.]]. قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج: وظهير في معنى ظهراء، وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 261، و"معاني القرآن" 3/ 167، و"معاني القرآن" للزجاج 5/ 193.]] كقوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، وقد ذكرنا هذا في مواضع. قال الفراء: والملائكة بعد نصرة هؤلاء ظهير [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 167.]]. قال أبو علي: وقد جاء فعيل مفردًا يراد به الكثرة، كقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج:10 - 11]، فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 45، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 192.]].
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتئاج.