الباحث القرآني

ثم خوف نساءه بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية. قال الضحاك: كل عسى في القرآن فهو واجب. والمفسرون يقولون: عسى من الله واجب [[انظر: "جامع البيان" 5/ 117، و"المحرر الوجيز" 2/ 159، و"تهذيب اللغة" 3/ 85، و"اللسان" 2/ 781 (عسى).]]. والمعنى: واجب من الله إن طلقكن رسوله أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، والله تعالى كان عالمًا أنه لا يطلقهن، ولكن أخبر عن قدرته أنه إن طلقهن أبدل خيرًا منهن؛ تخويفًا لهن؛ وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]، والأكثر في قوله: ﴿طَلَّقَكُنَّ﴾ الإظهار، وروي عن أبي عمرو الإدغام [[انظر: "النشر" 1/ 286، و"الإتحاف" 22 - 23.]]. ولإدغام القاف في الكاف حسن ، لأنهما من حروف الفم، وأصل الإدغام أن يكون فيما دون حرف الطرفين الحلق والشفة، فإن ترك الإدغام فيهما حسن ، لأنهما من أول مخارج الحرف فأشبها حرف الحلق لقربهما منها كما أن الخاء والغين لما كانتا من أول مخارج الحلق وأقربهما إلى الفم أجريا مجرى حروف الفم في أن لم تبين النون معهما في بعض اللغات. وهو رواية أبي نشيط [[هو محمد بن هارون، مقرئ جليل ضابط مشهور. قال ابن أبي حاتم: صدوق، سمعت مه مع أبي ببغداد، قلت: وسمع منه أبوه -وأثنى عليه- ومحمد بن مؤمل الناقد وجماعة. وكان ثقةً. توفي سنة 258 هـ ووهم من قال غير ذلك. انظر: "غاية النهاية" 2/ 272، و"سير النبلاء" 12/ 324، و"تاريخ بغداد" 3/ 352، و"تهذيب التهذيب" 9/ 493.]] عن قالون، وقراءة أبي جعفر، وكذلك القاف والكاف يكونان لقربهما من الحلق في حكم حروفه. والإدغام في حروف الحلق ليس بكثير، وكذلك فيما أشبههن [[من قوله (وإدغام القاف في الكاف حسن) إلى هنا، من كلام أبي علي الفارسي وفيه تصرف. انظر: "الحجة" 6/ 303.]]. ثم نعت تلك الأزواج التي كان يبدله لو طلق نساءه، فقال: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي: خاضعات لله بالطاعة، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مصدقات بتوحيد الله، ﴿قَانِتَاتٍ﴾ طائعات، ﴿سَائِحَاتٍ﴾ قال المفسرون: صائمات. وذكرنا تفسير الكلام فيه عند قوله: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [[وممن فسرها بالصائمات ابن عباس، والحسن، وابن جبير، وقتادة. انظر: "جامع البيان" 28/ 106، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 193. ونسبه الزجاج لأهل التفسير وأهل اللغة. "معاني القرآن" 5/ 194، و"اللسان" 3/ 323 (سيح). وقال الفراء: ونرى أن الصائم إنما سمي سائحًا أن السائح لا زاد معه، وإنما يأكل حيث يجد، فكأنه أخذ من ذلك. "معاني القرآن" 3/ 167.]] [التوبة: 112]. قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ جمع ثيب. قال الليث: وهي المرأة التي قد تزوجت فبانت بأي وجه [[في (ك): (بوجه ما) بدلاً من (بأي وجه)، والصواب ما أثبته.]] كان، فعادت كما كانت غير ذات زوج قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك [[في (س): (قبل التزوج، أو تزوجت بعد ذلك) زيادة وبعدها عبارة مطموسة.]]، ولا يوصف به الرجل إلا أن يقال: ولد الثيبين كما يقال: ولد البكرين. وجاء في الخبر: "الثيبان يرجمان" [[أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عن مسروق عن أبي بن كعب (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان)، وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن الأعمش عن مسروق: (البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يرجمان ولا يجلدان، والشيخان يجلدان ثم يرجمان) ورجاله رجال الصحيح. "فتح الباري" 12/ 157.]]. قال الأزهري: كأنه قيل لها ثيب؛ لأنها عادت إلى حالتها الأولى قبل أن تزوج، وكل شيء عاد بعد ذهابه فقد ثاب يثوب ثؤوبًا، ويقال: تثيب المرأة تثيبًا إذا صارت ثيبًا [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 152 (ثاب)، و"اللسان" 1/ 388 (ثيب).]]. قوله تعالى: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ يريد عذارى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.