الباحث القرآني

وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
ثم رجع إلى خطاب الكفار فقال: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ قال مقاتل والكلبي: أسروا قولكم في محمد أو اجهروا له بالعداوة وتكلموا علانية [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 213.]]: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما في القلوب. قال ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله فيخبره جبريل، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد. فأنزل الله هذه الآية [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 157 أ، و"أسباب النزول" للواحدي ص 508، و"معالم التنزيل" 4/ 371. قلت: وفي الآية وجه آخر، وهو حملها على العموم، والمراد أن قولكم وعملكم لا يخفى على من يعلم السر وأخفى، فاحذروا من المعاصي. ويدخل في هذا ما يسره المشركون في أمر النبي -ﷺ-، وهذا المعنى هو المعتمد عند ابن جرير، وابن كثير. انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 5، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 397.]]. ثم احتج على ذلك بقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، والظاهر أن من خلق هو الله تعالى. والمعنى: ألا يعلم ما في الصدور من خلقها وخلق القول. أي خالق الصدور [[في (س): (من خلقها وخلق القول. أي خالق: الصدور) زيادة.]] والأقوال عالم بها وبما فيها؛ وهذا معنى قول مقاتل [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، ونسبه الثعلبي لأهل المعاني. "الكشف والبيان" 12/ 157 أ، وهذا هو المعتمد عند ابن جرير. انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 5.]]. وقد حذف مفعول (خَلَقَ) لأن ما قبله من ذكر القول والصدر يدل عليه. ويجوز أن يكون (خَلَقَ) بمعنى المخلوق. فيكون المعنى: ألا يعلم الله من خلقه. أي مخلوقه [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 371، و"الكشاف" 4/ 123.]]، وحذف العائد إلى الموصول. قوله: ﴿وَهُوَ اَللًطِيفُ﴾ قال مقاتل: لطف علمه بما في القلوب، ﴿الْخَبِيرُ﴾ بما فيها من السر والوسوسة [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]]. وتكلم صاحب النظم في هذه الآية فقال: قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ استفهام إنكار لما يذهب إليه الكفار والجهال من أنه تخفى عليه الضمائر. واختلف في قوله (مَنْ)، فزعم بعضهم أنه هو الله جل وعز على تأويل: ألا يعلم الخالق الذي خلق الخلق، فيكون (مَنْ) في موضع رفع. وزعم غيره أن (مَنْ) في موضع نصب [[وهذا التأويل مردود عند مكي؛ لأنه يخرج الكلام عن عمومه ويدفع عموم الخلق عن الله عز وجل. انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 746. قلت: وما ذهب إليه مكي أولى في تفسير كلام الله تعالى، وحيث وجد وجه آخر لتفسير الآية فلا حاجة إلى مثل هذا التأويل، والله أعلم.]]، وقوله: (يعلم) واقع عليه على تأويل: ألا يعلم الله من خلقه؛ بمعنى يعلم ما كان ويكون منه سرًا وجهرًا وإضمارًا، وزاد وجهًا آخر فقال: وزعم بعضهم أن (مَنْ) بمثابة (ما)، كما تكون (ما) بمثابة (من) في قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5]، وإذا كان بمعنى (ما) كان اسمًا لما يسر الخلق ويجهرونه ويضمرونه في صدورهم، فيكون قد جعل أفعال العباد مخلوقة على تأويل: ألا يعلم الله ما هو خلقه من أفعالهم، وإن كان سرًّا أو إضمارًا فيكون ذلك حجة لمن أثبت القدر، لأنه جعله مخلوقًا [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" 2/ 746. قلت: والعلماء من أهل السنة يرون القول الأول، وهو أن يكون (من) فاعلًا مرادًا به الخالق ومفعول العلم محذوف، وكذا مفعول الخلق. والتقدير: ألا يعلم السر والجهر من خلقهما. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 473، و"دقائق التفسير" 5/ 13، و"الانتصاف بهامش الكشاف" 4/ 123.]]. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾، الذلول من كل شيء: المنقاد الذي يذل لك. ومصدره الذل، وهو الانقياد واللين، ومنه يقال: دابة ذلول [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 12، و"مفردات الشراب" (180) (ذل).]]؛ وفي وصف الأرض بالذلول قولان: أحدهما: قال ابن عباس: سهل لكم الأرض [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 157 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]]. والمعنى على [[في (ك): (على) زيادة.]] هذا أنه لم يجعلها بحيث يمتنع المشيء فيها بالحزونة [[الحزونة: الخشونة، "اللسان" 1/ 627 (حزن).]] والغلظ. وقال مقاتل: أثبتها بالجبال لئلا تزول بأهلها [[وهو القول الثاني. انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 215.]]. وهو قول الكلبي [[في (س): (وهو قول الكلبي) زيادة.]]. وعلى هذا القول معناه أنه سخرها لنا بأن أثبتها، ولو كانت تتكفأ متمايلة لم تكن منقادة لنا. قوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ أمر إباحة. ومعناه البيان عن كونها ذلولًا. وفي المناكب قولان: أحدهما: أنها الجبال، وهو قول قتادة والضحاك وابن عباس. قالوا: جبالها وآكامها [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 305، و"جامع البيان" 12/ 29/ 5، و"غرائب القرآن" 29/ 9.]]. وسميت الجبال مناكب، لأنها مشبهة بمناكب الإنسان وهو الجيد الشاخص من طرفيه [[في (ك): (طرافته).]]. والجبال شاخصة عن الأرض. القول [[في (ك): (قوله القول).]] الثاني: أنها النواحي والطرق والفجاج والأطراف والجوانب. وهو قول مجاهد والكلبي ومقاتل والحسن، ورواية عطاء عن ابن عباس، واختيار الفراء وابن قتيبة [[(س): (والكلبي، والحسن ورواية عطاء عن ابن عباس، وابن قتية) زيادة. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير مجاهد" 2/ 685، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و"الكشف والبيان" 12/ 157 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]] قال: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾: جوانبها، ومنكبا الرجل جانباه [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 171، و"تفسير غريب القرآن" ص 475.]]. وذكر أبو إسحاق القولين واختار القول الأول وقال: أشبه التفسير من قال في جبالها؛ لأن قوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ معناه سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها فهو أبلغ في التذلل [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 199، و"تهذيب اللغة" 10/ 286، و"اللسان" 3/ 713 (نكب)، وقد وهم ابن منظور -رحمه الله- بنسبة هذا القول للأزهري مع أن الأزهري نص على نسبته لأبي إسحاق.]]. قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ أي مما خلقه رزقًا لكم في الأرض. وقال ابن عباس: يريد ما أنبت لكم في السهل والجبل [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 371.]]. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ قال مقاتل: وإلى الله تبعثون من قبوركم [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب، و"زاد المسير" 8/ 322.]]. قال أبو إسحاق: والمعنى أن الذي خلق السموات بلا تفاوت وذلل الأرض قادر أن ينشركم ويبعثكم [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 200.]]. ثم خوف أهل مكة فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء وعذاب من في السماء [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]]. والمعنى: من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، إلا أنه أخرج مخرج ما في السماء تفخيمًا لشأن سلطانه كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3] ما يجري فيهما بإذنه وإرادته لا يخفى عليه شيء منه. لابد أن يكون هذا لاستحالة أن يكون الله تعالى في مكان أو موصوفًا بجهة. وذهب بعض أهل المعاني إلى أن [[(س): (أن) زيادة.]] ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ هو الملك [[(س): (الملك) زيادة.]] الموكل بالعذاب وهو جبريل. والمعنى: أن يخسف بكم الأرض بأمره [[نقل البيهقي عن أحمد بن إسحاق عند هذه الآية قوله: قوله ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على العرش فوق السماء كما صحت الأخبار عن النبي -ﷺ-. انظر: "الأسماء والصفات" 2/ 324. وفي 2/ 330 قال: ومعنى قوله في هذه الأخبار ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: فوق السماء على العرش، كما نطق به الكتاب والسنة .. قلت: وما ذكره الواحدي هنا -غفر الله له- مخالف لما عليه سلف الأمة من إثبات == صفة العلو لله تعالى كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وقد أورد الذهبي -رحمه الله- في كتابه "العلو" أكثر من تسعين حديثًا، وآثارًا كثيرة عن السلف -رحمهم الله-. والكتاب كله في إثبات هذه الصفة، وجمع ما ورد فيها عن الرسول -ﷺ- وما قاله علماء الصحابة ومن بعدهم في هذه الصفة. وانظر: "الصواعق المرسلة" 4/ 1244، 1295، 1297، 1417، و"روح المعاني" 29/ 15، و"أضواء البيان" 12/ 8/ 407.]]. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ قال ابن عباس: يريد كما تمور السفينة حتى تغرق [[لم أجده.]]. وقال مقاتل: تدور بكم إلى الأرض السفلى [[انظر: "تفسير مقاتل" 1462 أ، و"تنوير المقباس" 6/ 109.]]. وقال الحسن: تحرك بكم [[في (ك): (تحوط بكم). وانظر: "الكشف والبيان" 12/ 158 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 371.]]. والمعنى على هذا التفسير أن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فيذهبون، والأرض تمور فتقلبهم إلى أسفل؛ هذا معنى قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ وذكرنا تفسير المور فيما تقدم [[المور: التحرك والاضطراب. مار الشيء يمور مورًا: أي تحرك وجاء وذهب كما تتكفأ النخلة العيدانة. وهي أطول ما يكون من النخل، ولا تكون عيدانة حتى يسقط كربها كله، ويصير جذعها أجرد من أعلاه إلى أسفله. انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 297، و"اللسان" 3/ 548 (مور)، 2/ 939 (عيد).]]. ثم زاد في التخويف فقال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ قال ابن عباس: كما أرسل على قوم لوط [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"التفسير الكبير" 30/ 70.]] فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا} [القمر:34] ثم هدد وأوعد فقال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ قيل في النذير هاهنا: أنه المنذر، يعني محمدًا -ﷺ-. وهو قول عطاء عن ابن عباس والضحاك [[في (س): (والضحاك) زيادة. وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 70، و"غرائب القرآن" 29/ 9.]]. وقيل: إنه بمعنى الإنذار، والمعنى: فستعلمون رسولي وصدقه حين [[في (ك): (وصدقه إلى حين)، والصواب ما أثبته.]] لا ينفعكم ذلك، أو: فستعلمون عاقبة إنذاري إياكم بالكتاب والرسول، وهو العذاب [[انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 6، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 398.]]. و (كيف) في قوله: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ينبئ عما ذكرنا من صدق الرسول أو عقوبة الإنذار. ثم أخبر عن غيرهم من الكفار بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد عادًا وثمودًا، وكفار الأمم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 109، و"زاد المسير" 8/ 322، و"التفسير الكبير" 30/ 71.]]. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ قال مقاتل: تغييري وإنكاري أليس وجدوا العذاب حقًّا [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ.]]. ثم وعظهم ليعتبروا فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾، قال المفسرون: تصف أجنحتها في الهواء. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾، أي: يقبضنها إلى أنفسها بعد الصف. قال ابن قتيبة: يضربن بها جنوبهن [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 475.]] وقال المبرد: وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضها بعد البسط. وأنشد هو وأبو عبيدة قول أبي خراش [[في (س): (قول أبي خراش) زيادة.]]: كَأَنَّهُمُ يُشَبَّثُونَ بِطَائِرٍ ... خَفِيفِ المُشَاشِ عَظْمُهُ غَيْرُ ذي نُحْضِ يُبَادِرُ جُنْحَ اللَّيْلِ فَهْوُ مُهَابِذٌ ... يَحُثُّ الجَنَاحَ بالتَّبَسُّطِ والقَبْضِ [[انظر: "ديوان الهذليين" 2/ 159 و"الحماسه" لأبي تمام 1/ 386، و"الإنصاف" لابن الأنباري ص 390، و"تهذيب اللغة" 6/ 276، و"اللسان" 3/ 761 (هبذ)، و"الخزانة" 5/ 419. والنحض: اللحم، والقطعة الضخمة منه تسمى نحضة، والمنحوض والنحيض: الذي ذهب لحمه. والمهابذة: الإسراع. وهابذ: أسرع في مشيته أو طيرانه، والمشاش: رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين. انظر: "اللسان" 3/ 488، 597، 761 (مشش، نحض، هبذ).]] وعطف قوله: ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ على ﴿صَافَّاتٍ﴾ لأن معناه: وقابضات، وهذا بيان عما يوجبه حال الطير في قبضها وبسطها متصرفة في الهواء من الاعتبار، بتمكينها حتى أمسكت على ثقلها وضخم أبدانها، من الذي أمسكها وسخر لها الهواء؟ وهو معنى قوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾، أي: في الحالتين، جميعًا. في حال الصف والقبض، وفي ذلك أكبر الآية، وأوضح العبرة. وهذا كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ الآية [النحل: 79].