الباحث القرآني

فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ يعني العذاب، ﴿زُلْفَةً﴾ يعني قريبًا. قاله المفسرون وأصحاب العربية. قال ابن عباس: يريد: فلما قرب منهم العذاب [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 112، ولفظه ﴿زُلْفَةً﴾ قريبًا، ويقال: معاينة.]]. وقال مقاتل: لما رأوا العذاب في الآخرة قريبًا [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 أ - ب.]]. وذكرنا الكلام في الزلف والزلفى والزلفة، وهي بمنزلة القربى [[عند تفسيره الآية (64) من سورة الشعراء. قال: الزلفى في كلام العرب القربى، وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، قال: ومن ذلك سميت مزدلفة جمعًا.]]. وقال الحسن: رأوه معاينة [[انظر: "جامع البيان" 12/ 29/ 8، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 220.]]. وهو معنى وليس بتفسير، وذلك أن ما قرب من الإنسان رآه معاينة [[في (س): من قوله (وهو معنى) إلى (معاينة) زيادة.]]. وقوله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس وغيره: اسودت وعلتها الكآبة والقترة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 159 أ، و"التفسير الكبير" 30/ 75، و"غرائب القرآن" 29/ 11.]]. وقال أبو إسحاق: تبين فيها السوء [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 201.]]. وأصل السوء القبح. والسيئة ضد الحسنة. والسواء: المرأة القبيحة وذكرنا هذا قديمًا [[في (س): (وذكرنا هذا قديمًا) زيادة.]]، ويقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وسيء يساء إذا قبح. وهو فعل لازم ومجاوز [[انظر: "اللسان" 2/ 231 (سوأ).]]. فمعنى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ﴾، أي: قبحت بالسواد وأثر الكآبة كما ذكر المفسرون [[في (س): (كما ذكر المفسرون) زيادة.]]. وقوله: ﴿وَقِيلَ﴾ أي: وقالت لهم الخزنة: ﴿هَذَا﴾ العذاب ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ قال الكلبي: تسألون في الدنيا [[انظر "الكشف والبيان" 12/ 159 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 220، وهو قول أكثر المفسرين.]]. وقال مقاتل: تمنون في الدنيا [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، ولفظه: يعني تمترون في الدنيا.]]. قال الفراء: تدعون [[أشار الفراء بهذا إلى قراءة التخفيف (تدعون) وهي قراءه شاذة نسبت للحسن، == والضحاك وغيرهما، وقراءة الجمهور ﴿تَدَّعُونَ﴾ بتشديد الدال. انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 712، و"المحتسب" 2/ 325، و"البحر المحيط" 8/ 204.]]. وهما واحد مثل (تذكرون) و (تذكرون) و ﴿تَدَّخِرُونَ﴾ ﴿وتدخرون﴾ [[(تذكرون) حيث وقع إذا كان بالتاء فقط خطابًا فقرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص (تذْكُرون) بتخفيف الذال، وقرأ الباقون (تَذَّكرون) بالتشديد. و ﴿تَدَّخِرُون﴾ من سورة آل عمران: 49، فالجمهور بتشديد الدال وفي قراءة شاذة بتخفيفها. انظر: "النشر" 2/ 266، و"الإتحاف" ص 220، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 171، و"الكشاف" 1/ 191، و"روح المعاني" 3/ 170.]] وقال المبرد: معناه تستعجلون. تقول: دعوت بكذا إذا طلبته، وادَّعيتُ به افتعلت، من هذا. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد تكذبون [[في (س): من (وقال المبرد) إلى هنا زيادة. ولم أجد قول ابن عباس ولا المبرد.]]. قال أبو إسحاق: تأويله في اللغة: هذا الذي كنتم من أجله تدعون الأباطيل والأكاذيب، أي: تدعون أنكم إذا متم وكنتم ترابًا أنكم لا تخرجون [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 201.]]؛ ونحو هذا قال أبو عبيدة: تكذبون وتردون [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 262.]]. ومعناه ما ذكره أبو إسحاق. وقال غيره [[في (ك): (وقيل).]]: معناه هذا الذي كنتم ببطلانه تدعون. أي تدعون أنه باطل لا يأتيكم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 75.]]، وكأن هذا أقرب من قول أبي إسحاق. والقول هو الأول بدليل قراءة من قرأ ﴿تَدَّعُونَ﴾ من الدعاء. وهذا لا يحتمل التكذيب، ومعناه: كنتم به تستعجلون وتدعون الله بتعجيله [[وهو اختيار الفراء وابن جرير والنحاس ورواية الكلبي عن ابن عباس. == انظر: "تنوير المقباس" 6/ 112، و"معاني القرآن" 3/ 171، و"جامع البيان" 12/ 29/ 8، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 476.]].