الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ
قوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ قال مقاتل: صوتًا مثل أول صوت الحمار [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب.]]. وقال عطاء: يريد: سمعوا لأهلها شهيقًا [[انظر: " التفسير الكبير" 30/ 63.]]، فجعل [[في (ك): (فجعلها).]] الشهيق لأهل جهنم دونها. والقول هو الأول [[ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: 12] قال ابن المنير: لا حاجة إلى حمله على المجاز فإن رؤية جهنم جائزة وقدرة الله تعالى صالحة، وقد تضافرت الظواهر على وقوع هذا الجائز، وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكًا حسيًّا وعقليًّا. ألا ترى إلى قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ وإلى محاجتها مع الجنة، وإلى قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ وإلى اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسين، إلى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل إلى تأويلها .. "حاشية الكشاف" 3/ 90.]]. وقا الزجاج: يسمع الكفار للنار شهيقًا، وهو أقبح الأصوات، وهو كصوت الحمير [[انظر: "معاني الزجاج" 5/ 199.]]. وقال المبرد: هو -والله أعلم- تنفس كتنفس المتغيظ [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.]]. وتفسير الشهيق قد سبق [[عند تفسيره الآية (106) من سورة هود. الشهيق ردُّ النَّفس. يقال: شَهَقَ يشهَق ويشهِق ويشهُق شهيقًا، وبعضهم يقول: شهوقًا. ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد. وهو قول جميع أهل اللغة. والشهيق آخر صوت الحمار إذا نهق. وقيل: الشهق في الصدر. وعن ابن عباس: الزفير الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف.]]. قوله ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قال الليث: كل شيء جاش فقد فار، وهو فور القدر، والدخان، والغضب، والماء من العين [[انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 247 (فاز)، و"اللسان" 2/ 1143 (فور).]]. قال ابن عباس: تغلي بهم كغلي المرجل [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 63.]]. وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 212، و"الدر" 6/ 248.]]. ويجوز أن يكون هذا من فور الغضب. قال المبرد: يقال: تركت فلانًا يفور غضبًا [[في (ك): (غيضًا) وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.]]. يدل على هذا المعنى قوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: تنقطع من غيظها عليهم فيماز بعضها من بعض كما يتميز الشيء، أي يفرق هذا المعنى [[في (س): (المعنى) زيادة.]] قول المفسرين، وأهل المعاني: قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظًا على الكفار [[انظر: "تفسير غريب القرآن" ص 474.]]. وقال المبرد: ويقال للغضبان: تركته يتميز عليك غيظًا [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 63.]]. ولفظ المفسرين في تفسير: ﴿تَمَيَّزُ﴾: تفرق [[وهو قول ابن عباس، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل. انظر: "تنوير المقباس" 6/ 107، و"تفسير مقاتل" 161 ب، و "جامع البيان" 12/ 29/ 4، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 397.]]. قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ الفوج: الجماعة من الناس. والأفواج: الجماعات في تفرقة [[انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 212، و"اللسان" 2/ 1142 (فوج).]]؛ ومنه قوله: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18]. وقوله: ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ وهو سؤال توبيخ. قال أبو إسحاق: وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.]]. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي [[في (س): (الكلبي و) زيادة.]] وعطاء: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 107، و"الكشف والبيان" 12/ 156 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 471.]]. وهذا يدل على أن الله تعالى لم يخلق لهم سمع الهدى ولا معرفته، لأنهم كانوا ذوي أسماع وعقول صحيحة ولم يريدوا بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ أنهم صم الأسماع مجانين، ولكن أرادوا أنهم كانوا صمًّا عن الخير، غافلي القلوب عن الهدى. وقال أبو إسحاق: أي لو كنا نسمع سمع من يعي ويفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.]]. قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ قال مقاتل: يعني بتكذيبهم الرسل [[انظر: "تفسير مقاتل" 161 ب.]]، وهو قولهم: ﴿فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ والذنب هاهنا في معنى الجمع؛ لأن فيه معنى الفعل كما يقال: خرج عطاء الناس، أي: أعطياتهم؛ هذا قول الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 171.]]. ويجوز أن يراد بالواحد المضاف الشياع، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 34، النحل: 18]، وقد مر في مواضع. وقوله [[في (س): (وقوله) زيادة.]]: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ قال المفسرون: فبعدًا لهم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 65. وقال ابن جبير فيما أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 539: وادٍ في جهنم.]]. والسحق: البعد، وفيه لغتان: التخفيف والتثقيل [[قرأ الكسائي ﴿فَسُحْقًا﴾ بضم الحاء، وقرأ الباقون ﴿فَسُحْقًا﴾ بتخفيفها. انظر: "حجة القراءات" ص 716، و"النشر" 2/ 217، و"الإتحاف" ص 420، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 171.]] كما تقول في العُنق والطنب [[تقول العنق والعنق، والطنب والطنب، والطنب هو حبل الخباء والسرادق ونحوهما. "اللسان" 2/ 617 (طنب).]]؛ وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. قال أبو إسحاق: (سحقًا) منصوب على المصدر. المعنى: أسحقهم الله سحقًا، أي: باعدهم من رحمته مباعدة [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 199.]]. قال أبو علي: وكان القياس: إسحاقًا، فجاء المصدر على الحذف كقولهم: عمرك الله، وكما قال: وإن أهلك فذلك كان قدري [[للشاعر يزيد بن سنان: وهو بتمامه: فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يهلك فذلك كان قدري انظر: "أمالي ابن الشجري" 2/ 110، و"المخصص" 9/ 92، و"المفضليات" ص 71، و"الحجة" 2/ 128.]] أي: تقديري [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 307.]]. ثم أخبر عن المؤمنين وعما أعد لهم في الآخرة فقال: {وإِنَّ اَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يخافون عذاب ربهم ولم يروه فيؤمنون به خوفًا من عذابه [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 108، و"تفسير مقاتل" 161 ب.]].