الباحث القرآني

نۤۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا یَسۡطُرُونَ
﴿ن﴾ اختلفوا في تفسيره. فروي عن ابن عباس بطرق أن المراد به الحوت الذي على ظهره الأرض، وأنه من أول ما خلق الله تعالى فكبس الأرض على ظهره؛ وهو رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، والكلبي، وأبي صالح عن ابن عباس [[أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، وصححه، والضياء في المختارة وغيرهم. انظر: "تنوير المقباس" 3/ 116، و"جامع البيان" 29/ 9، و"المستدرك" 2/ 498، و"العظمة" 4/ 1403 و"تفسير الماوردي" 4/ 277، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 400. قلت: إن صح هذا عنه فهو من الإسرائيليات التي ملئت بها كتب التفسير، وابتليت بها الأمة، وكشف زيفها وكذبها وبعدها عن الحقيقة والواقع.]]. وقول مجاهد ومقاتل والسدي [[في (س): (والسدي) زيادة.]]، قالوا: هو الحوت الذي يحمل الأرض وهو في بحر تحت الأرض السفلى [[انظر: "جامع البيان" 29/ 10، و"الكشف والبيان" 12/ 160 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 384.]]. والنون في اللغة السمكة [[انظر: "اللسان" 3/ 750 (نون).]]. ومنه قوله تعالى في ذكر يونس عليه السلام: ﴿وَذَا النُّونِ﴾، وقد مر [[عند تفسيره الآية (87) من سورة الأنبياء.]]. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (ن) الدواة [[انظر: "تفسير مجاهد" 2/ 678، و"جامع البيان" 29/ 10.]]، ونحو هذا روى الضحاك [[في (س): (ونحو هذا روى الضحاك) زيادة.]]؛ وهو قول الحسن وقتادة [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 161 أ، و "زاد المسير" 8/ 326، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 223.]]. والنون في اللغة الدواة، ومنه قول الشاعر [[لم أجده. وفي "تهذيب اللغة" 15/ 560، قال: ... ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ لا يجوز فيه غير الهجاء، ألا ترى أن كتاب المصحف كتبوه ﴿ن﴾ ولو أريد به الدواة أو الحوت كتب نون. وانظر: "المحرر الوجيز" 16/ 73.]]: إذا ما الشوق برح بي إليهم ... ألفت النون بالدمع السجوم وروى عكرمة [[(س): (عكرمة) زيادة.]] عن ابن عباس أن نون هاهنا آخر حروف الرحمن. قال: (الر) و (حم) و (ن) حروف الرحمن مقطعة [[انظر: "جامع البيان" 29/ 10، و"الأسماء والصفات" للبيهقي 1/ 230 - 233. بسندين أحدهما ضعيف والآخر حسن، و"الكشف والبيان" 12/ 161 أ.]]. وروى معاوية بن قرة [[معاوية بن قرة المدني البصري، ثقة عالم، مات سنة 113 هـ عن ثمانين سنة، وكان يقول: لقيت ثلاثين صحابيًّا. انظر: "سير أعلام النبلاء" 5/ 153، و"طبقات ابن سعد" 7/ 221 و"التقريب" 2/ 261، و"التاريخ الكبير" 4/ 330.]] مرفوعًا أن نون هاهنا لوح من نور [[أخرجه ابن جرير عن معاوية عن أبيه. "جامع البيان" 29/ 10. قال ابن كثير: وهذا مرسل غريب. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 401. وقال أبو حيان: لعله لا يصح شيء من ذلك، و"البحر المحيط" 8/ 307. وقال ابن حجر: والمشهور في ﴿ن﴾ أن حكمها حكم أوائل السور في الحروف المقطعة، وبه جزم الفراء. "فتح الباري" 8/ 661، وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 77، و"روح المعاني" 29/ 23.]]. وقال أبو عبيدة وابن كيسان [[في (س): (وابن كيسان) زيادة.]]: نون فاتحة السورة كسائر الفواتح [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 264.]]. وقال المبرد: (ن) اسم الحرف المعروف من حروف الهجاء نحو (ق) و (م). وهذا هو الأشبه؛ لأنه لو كان للسمكة لكان معربًا غير ساكن الآخر [[في (ك): (الأخير).]]؛ لأنه اسم لمسمى [[في (ك): (المسمى).]]، وحروف المعجم إنما هي موضوعة على الوقف، ولذلك يلتقي في أواخرها ساكنان؛ هذا كلامه. وقد اختار قول من قال: إنه من حروف المعجم لافتتاح السورة، والمراد به آخر حروف الرحمن لبنائه على السكون. والقول ما قال [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 77، وفي "العظمة" 2/ 532 قال المحقق: ولم يصح في ذلك شيء مرفوع عن النبي -ﷺ-، وإنما روى بعض الصحابة ومن بعدهم. قلت: ورد في الحروف المقطعة نقول لا تسلم سندًا، وآراء لا تسلم اجتهادًا. والأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي، وتفويض أمرها إلى الله، والقول بكل تواضع: الله أعلم. وبهذا قال كثير من سلف الأمة رحمهم الله جميعًا. وقال الشوكاني -رحمه الله- بعد التحقيق في هذه المسألة، والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة، واقتدى بسلف الأمة أن لا يتكلم بشيء من ذلك، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة لله -عز وجل- لا تبلغها عقولنا، ولا تهتدي إليه أفهامنا، وإذا انتهت إلى السلامة في مدارك فلا تجاوزه. انظر: "فتح القدير" 1/ 35. وانظر: "لباب التأويل" 1/ 19، و"روح المعاني" 1/ 35، و"الإسرائيليات" لأبي شهبة 305 - 306.]]. والقراء مختلفون في إظهار النون وإخفائه من قوله ﴿ن * وَالْقَلَمِ﴾ [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ بإظهار النون. وقرأ الباقون بإخفائها. انظر: "حجة القراءات" ص 717، و"الإتحاف" ص 421، و"زاد المسير" 8/ 326.]]، فمن أظهرها فلأنه ينوي بها الوقف بدلالة اجتماع الساكنين فيها، وإذا كانت موقوفة كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وإذا انفصل مما قبلها وجب التبيين، لأنها إنما تخفى في حروف الفم عند الاتصال. ووجه الإخفاء أن همزة الوصل لم تقطع مع هذه الحروف في نحو ﴿الم﴾، وقولهم في العدد: واحد، اثنان. فمن حيث لم تقطع الهمزة معها علمت أنه في تقدير الوصل، وإذا وصلتها أخفيت [[في (ك): (خفيت).]] النون [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 309 - 310.]]. وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿ص * وَالْقُرْآنِ﴾ [ص: 1] و ﴿يس (1) وَالْقُرْآنِ﴾ [يس: 1 - 2] قال الفراء: وإظهارها أعجب إلي، لأنها هجاء، والهجاء كالوقوف وإن اتصل [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 172. قلت: واختيار الفراء للإظهار لا يعني الطعن أو الرد لما صح عن رسول الله -ﷺ-، وهو اختيار ابن جرير أيضًا. حيث قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان فصيحتان بأيتهما قرأ القارئ أصاب، غير أن إظهار النون أفصح وأشهر، فهو أعجب إليّ. "جامع البيان" 29/ 11.]]. قوله تعالى: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة [[أخرجه ابن جرير في "جامعه" 29/ 10، وابن أبي حاتم، وأحمد في "المسند" 5/ 317، والترمذي في "سننه"، كتاب: القدر 4/ 397 (2155) وقال: هذا == حديث غريب من هذا الوجه. وفي "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 239، قال محققه: صحيح إلى ابن عباس، ثم ذكر طرقه عن ابن عباس. ثم عقب بذكر الحديث مرفوعًا من حديث عبادة بن الصامت وقال: وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح لغيره. وهو حديث صحيح كما في "تحقيق شرح الطحاوية" 2/ 344.]] قال: وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض. وهذا قوله في رواية أبي الضحى، وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم [[في (س): (وأبي ظبيان، وأبي صالح، ومقسم) زيادة. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225.]]. وروى مجاهد عنه قال: كان أول [[في (س): (كان أول) زيادة.]] ما خلق الله القلم فقال له: اكتب القدر. قال: فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه [[انظر: "جامع البيان" 29/ 11، وهو معنى حديث سراقة بن مالك، الذي رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي 4/ 2040، وأحمد في "مسنده" 3/ 292، وغيرهما.]]. وهذا قول جميع المفسرين. قالوا: هو القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ [[قول المؤلف -رحمه الله-: وهذا قول جميع المفسرين؛ صوابه: بعض المفسرين. والأكثرون على أنه جنس أقسم الله سبحانه بكل قلم يكتب به في السماء وفي الأرض. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225، و"غرائب القرآن" 29/ 15. وقال ابن كثير: والظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فهو قسم منه تعالى وتنبيه لخلقه على ما أنهم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 401.]]. قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. قالوا: يعني وما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم [[انظر: "زاد المسير" 8/ 328، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 225، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 401، وهو منسوب لابن عباس، ومقاتل، والسدي.]].