الباحث القرآني

أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ قال الفراء: وقرئ (أأن كان) بهمزتين [[قرأ ابن عامر (آن كان) بهمزة مطولة، وقرأ حمزة وأبو بكر (أأنْ) بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي، وحفص عن عاصم (أن كان) على الخبر. انظر: "حجة القراءات" ص 717، و"الإتحاف" ص 421، و"زاد المسير" 8/ 333.]]. قال: والمعنى: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان، أي: لأن كان يريد لا تطعه لماله وبنيه. ومن قال: (أأن كان) فإنه وبخه؛ والمعنى: ألان كان ذا مال وبنين تطعه. وإن شئت قلت [[(قلت) زيادة من "معاني القرآن" للفراء.]]: ألأن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين. وكان حسن [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 173 - 174.]]. واختار أبو إسحاق القول الثاني، وقال: (أنْ) نصب بمعنى قال ذلك؛ لأن كان ذا مال وبنين. أي: جعل مجازاة النعم التي خُولها من المال والبنين الكفر بآياتنا. قال: قال: وإذا جاءت ألف الاستفهام ومعناها التوبيخ فهذا هو القول، ولا يصلح غيره. وإذ [[بياض في المخطوطتين، ولعلها (وإذا قرئ).]] بغير استفهام جاز أن يكون المعنى: ولا تطع كل حلاف مهين أن كان ذا مال وبنين. أي: لا تطعه ليَسَاره وعدده [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 206.]]. وقد اتفقا [[أي الفراء والزجاج.]] على جواز أن يكون قال في قوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ﴾ عاملًا في (أنْ) في [[في (س): (في) زيادة.]] قوله: ﴿أَن كاَنَ﴾ قال أبو علي: لا يخلو من أن يكون العامل فيه ﴿تُتْلَى﴾ أو ﴿قَال﴾ أو شيء ثالث، ولا يجوز أن يعمل واحد منهما فيه. ألا ترى أن تتلى من قوله: ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ قد أضيفت إذا إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله، ألا ترى أنك لا تقول: القتال زيدًا حين يأتي زيد. ولا يجوز أن يعمل فيه (قال) أيضًا؛ لأن (قال) جواب (إذا)، وحكم الجواب أن يكون بعد ما هو جواب له ولا يتقدم عليه. وإذا لم يجز أن يعمل في (أنْ) واحد من هذين الفعلين علمت أنه محمول [[في (ك): (مجنون).]] على شيء آخر مما دل في الكلام عليه. والذي يدل عليه هذا الكلام من المعنى هو يجحد أو يكفر أو يمسك عن قبول الحق، ونحو ذلك. إنما جاز أن يعمل المعنى فيه وإن كان متقدمًا عليه لشبهه بالظرف، والظرف قد تعمل فيه المعاني وإن تقدم عليها ويدلك على مشابهته للظرف تقدير اللام معه. وإن من النحويين من يقول: إنه في موضع جر كما أنه لو كانت اللام ظاهرة معه كان كذلك، فإذا صار كالظرف [[في (ك): (فالظرف).]] من حيث قلنا لم يمتنع المعنى من أن يعمل فيه كما لم يمتنع من أن يعمل في نحو قوله: ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] لما كان ظرفا، والعامل فيه بعثتم، الدال عليه قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيد﴾، وكذلك ﴿أَن كاَنَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، كأنه جحد بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين، أو كفر بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين [[في (س): (أو كفر بآياتنا لأن كان ذا مال وبنين) زيادة.]]. وعلى هذا المعنى يكون محمولًا فيمن استفهم فقال: أن كان ذا مال وبنين؛ لأنه [[في (س): (لأنه) زيادة.]] توبيخ وتقرير، فهو بمنزلة الخبر. ومثل ذلك قولك: ألأن أنعمت عليك جحدت نعمتي، إذا وبخته بذلك. فعلى هذا تقدير الآية [[من قوله (قال أبو علي) إلى هنا كلام أبي علي، وفيه تصرف من المؤلف. انظر: "الحجة" 6/ 310 - 311، و"البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 453، و"الكشاف" 4/ 127، و"التفسير الكبير" 30/ 85.]].