الباحث القرآني

فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ
وقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)﴾ يقول [[(ك): (يقولون).]] هذا لهذا: أنت أشرت علينا بهذا الرأي. ويقول هذا لهذا: أنت [[(ك): (أن).]] منعتنا أن ندخلها المساكين. فكان هذا هو التلاوم بينهم ، قاله عطاء والكلبي [[(س): (قاله عطاء والكلبي) زيادة. وانظر: "تنوير المقباس" 6/ 123، و"التفسير الكبير" 30/ 90.]]. وقال مقاتل: يلوم بعضهم بعضًا في منع حقوق المساكين [[انظر: "تفسير مقاتل" 163/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 380.]]. ثم نادوا على أنفسهم بالويل فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد طغينا فيما أعطانا الله ولم نأخذه بالشكر كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 169/ أ، و"الوسيط" 4/ 338، و"معالم التنزيل" 4/ 380، ومن نسبه منهم عزاه لابن كيسان.]]. ثم اجتمع [[(ك): (احتج).]] القوم وتعاقدوا إن أبدلنا الله [[(ك)، (س): (الله أبدلنا).]] بها خيرًا منها لنصنعن كما صنعت الآباء. فدعوا الله وتضرعوا إليه وسألوه ذلك، وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم الله بها خيرًا منها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب ليس يحمل البغل منها إلا عنقودًا، فذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)﴾ [[أخرجه الثعلبي وغيره عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 169/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 381، و"غرائب القرآن" 29/ 21.]]، وفي هذا إشارة إلى أنهم لما بلوا بذهاب ما لهم تذكروا فرجعوا إلى الله تعالى بالرغبة. وهو وعظ لأهل مكة بالتذكير والرجوع إلى الله تعالى. فلما بلاهم بالجدب حين دعا عليهم الرسول -ﷺ- فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر [[(ك): (أهل مضر).]]، واجعلها سنين كسنى يوسف" [[متفق عليه. أخرجه البخاري في مواضع من "صحيحه"، كتاب: الجهاد، باب: الدعاء على المشركين 4/ 52، وكتاب: التفسير، سورة النساء 6/ 61، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة 1/ 466، وأحمد في "المسند" 9/ 239. ولفظ البخاري. "اللهم أنج سلمة بن هشام، الله أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسني يوسف".]]. وقال عطاء عن ابن عباس: هذا مثل لأهل مكة حين خرجوا إلى بدر وحلفوا ليقتلن محمدًا وأصحابه وليرجعن إلى مكة حتى يطوفوا بالبيت ويشربوا الخمر ويضرب القيان على رؤوسهم، فأخلف الله ظنهم، وقطع رجاهم فقتلوا وأسروا وانهزموا [[(س): (وانهزموا) زيادة.]] كأهل هذه الجنة لما انطلقوا إليها عازمين على الصرام وإحراز المال دون المساكين فلما انتهوا إليها وجدوها سوداء محترقة، فخاب ظنهم وأخلف رجاؤهم، فذلك قوله: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾ يعني [[(س): (يعني) زيادة.]] كما ذكر من إحراقها بالنار [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 246، و"البحر المحيط" 8/ 313.]]. وتم الكلام هاهنا لتمام قصة أصحاب الجنة [[انظر: "المكتفى في الوقف والابتداء" (582).]]. ثم ذكر عذاب الآخرة فقال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني المشركين. قال ابن عباس: يريد أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا وأعظم [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 123.]].