الباحث القرآني

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ
ثم مدحه مع وعد الأجر بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء [[في (س): (في رواية عطاء) زيادة.]]: يريد دين عظيم، لم أخلق من الأديان أحب ولا أرضى عندي منهن اختصصتك به واصطفيته [[في (ك): (واصصفيتك).]] لك ولأمتك. ونحو هذا قال الكلبي: على دين عظيم. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والسدي، وأبي مالك، وابن زيد بن أسلم [[في (س): (والسدي، وأبي مالك، وابن زيد بن أسلم) زيادة.]] وجماعة [[(وجماعة) ساقطة من (س).]]؛ قالوا: يعني الإسلام والدين [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، و"جامع البيان" 29/ 12، و"معالم التنزيل" 4/ 375، و"زاد المسير" 8/ 328.]]. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني القرآن؛ وهو قول الحسن والعوفي قالا [[في (ك): (قال).]]: يعني أدب القرآن [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 227، ورجحه، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 402، و"الدر" 6/ 251.]]. ويدل على هذا ما روي أن عائشة سئلت عن خلق رسول الله -ﷺ- فقالت: كان خلقه القرآن [[الحديث رواه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها باب: جامع صلاة الليل 1/ 513، وأبو داود في كتاب: التطوع 2/ 99، والنسائي في كتاب: قيام الليل 2/ 199.]]. وفسره قتادة فقال: ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله [[انظر: "الكشف والبيان" 12/ 163 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 375، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 227.]]. واختاره الزجاج فقال: المعنى إنك على الخلق الذي أمرك [[في (ك): (أمر).]] الله به في القرآن [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 204.]]. ومعنى الخلق في اللغة: العادة [[انظر: "مفردات الراغب" ص 157 (خلق).]]. ذكرنا [[في (ك): (ذكر).]] ذلك في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137]. وقال ابن الأعرابي: الخلق: الدين، وسمي خلق رسول الله -ﷺ- عظيمًا لعظم قدره وجلالة محله عند الله تعالى [[انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 29 (خلق).]]. قوله [[في (س): (قوله) زيادة.]]: ﴿فَسَتُبْصِرُ﴾ أي: فسترى يا محمد، ﴿وَيُبْصِرُون﴾ يعني المشركين، ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ اختلفوا في الباء هاهنا، فأكثر المفسرين وأهل المعاني على أنها صلة زائدة [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 712، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 482، و"البحر المحيط" 8/ 309.]]. والمعنى: أيكم المفتون وهو الذي فتن بالجنون. قال أبو عبيدة: مجازه أيكم، وأنشد: يَضرِبُ بالسيفِ ويرجُو بالفَرَجْ [[البيت للنابغة الجعدي، وصدره: نحن بنو جعدة أصحاب الفلج انظر: "ديوانه" ص 216، و"الخزانة" 9/ 520، و"مغني اللبيب" ص 108 و"مجاز القرآن" 2/ 264، و"تفسير القرآن" ص 478، و"الإنصاف" ص 284.]] ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة [[(س): (ونحوه قال الأخفش وابن قتيبة) زيادة. انظر: "معاني القرآن" 2/ 712، و"تفسير غريب القرآن" 477 - 478.]]. وقال مقاتل: هذا وعيد العذاب ببدر [[انظر: "تفسير مقاتل" 162 ب، و"التفسير الكبير" 30/ 82.]]. يعني: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر أيكم المفتون. ونحو هذا قال قتادة [[انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 308، و"جامع البيان" 29/ 14.]]، وابن عباس في رواية عطاء يقول: بأيكم المجنون [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 117 برواية الكلبي، و"الكشف والبيان" 12/ 164 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 377، ذكره برواية العوفي.]]. وهذا محمول على زيادة الباء. وقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يكون الباء هاهنا لغوًا في قول أحد من أهل العربية [[مراد الزجاج من قوله هذا: أن من قال بزيادتها لم يستند على نقل صحيح عن أهل اللغة، وإنما هو اجتهاد منه.]]، وفيه قولان للنحويين: أحدهما: قالوا: المفتون هاهنا بمعنى الفتون [[في (ك): (المفتون).]]. والمصادر تجيء على المفعول نحو المعقول والميسور. ويقال: ليس له معقود رأي. أي عقد رأي. والمفتون هاهنا بمعنى الفتون [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 205.]]، أي: الجنون. وهذا قول الحسن والضحاك [[في (س): (والضحاك) زيادة.]] ورواية عطية عن ابن عباس. قالوا: بأيكم الجنون [[انظر: "جامع البيان" 29/ 13، و"التفسير الكبير" 30/ 82.]]. والقول الثاني: أن الباء بمعنى في [[في (ك): (في معنى).]]. ومعنى الآية: ستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون. أي: فرقة الإسلام أم في [[في (س): (في) زيادة.]] فرقة الكفار [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 205.]]. والقولان للفراء [[انظر: "معاني القرآن" 3/ 173.]] فشرحهما أبو إسحاق. وقال في البيت الذي أنشده أبو عبيدة: معناه: نرجو كشف ما نحن فيه بالفرج، أو نرجو النصر بالفرج [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 205.]]. وهذا القول وإن أنكره غير مردود، لأن زيادة الباء كثير في الكلام وفي التنزيل، ذكرنا ذلك في عدة مواضع [[اختلف العلماء في وقوع الزائد في القرآن، فالمبرد، وثعلب، وابن السراج وغيرهم قالوا: لا صلة في القرآن والجمهور على إثبات الصلات في القرآن. ومراد من أثبت الحروف الزائدة في القرآن ما أتي به لغرض التقوية والتوكيد، وليس المراد إهمال اللفظ ولا كونه لغوًا فتحتاج إلى التنكب عن التعبير بها إلى غيرها. انظر: "البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 856 و"البرهان في علوم القرآن" 3/ 72.]]. واختار المبرد أن يكون ﴿اَلمَفْتُونُ﴾ مصدرًا معنى الفتنة [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 82. وقال ابن تيمية -رحمه الله- عند هذه الآية: هذه تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ فيها. منها قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ حار فيها كثير، والصواب المأثور عن السلف؛ ثم ذكر ما روي عن مجاهد والحسن وغيرهما، إلى أن قال: والذين لم يفهموا هذا قالوا: الباء زائدة. قاله ابن قتيبة وغيره. وهذا كثير .. ، و"دقائق التفسير" 5/ 19 - 20.]].