الباحث القرآني

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومࣱ
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ قال مقاتل: اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"التفسير الكبير" 30/ 98.]]. ﴿وَلَا تَكُنْ﴾ في الضجر والعجلة ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني يونس بن متى. قال الكلبي ومقاتل: يقول: لا تضجر كما ضجر، ولا تعجل كما عجل، ولا تغضب كما غضب [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ أ، و"تفسير عبد الرزاق" 2/ 310، و"جامع البيان" 29/ 29.]]. ثم أخبر عن عقوبة يونس حين لم يصبر وعجل بقوله: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، والعامل في (إذ) معنى قوله: ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [[انظر: "البحر المحيط" 8/ 317.]] يريد: لا تكن كمن صحب الحوت إذ نادى، وليس العامل فيه (تكن) لأنه ليس المعنى: لا تكن مثله إذ نادى ربه من بطن الحوت بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. وقوله ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًّا وكربًا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 5/ 211.]]. ومثله ﴿كَظِيمٌ﴾، وقد مر [[عند تفسيره الآية (84) من سورة يوسف. قال: الكظيم: الساكت على غيظه، يقال: ما يكظم فلان على حرة إذا كان لا يحتمل شيئًا وفلان كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئًا حزنًا ممسكًا عليه. وانظر: "اللسان" 3/ 265، و"المفردات" (432) (كظم).]]. قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: رحمة من ربه [[(ك): (ربك).]]، وهو أن رحمه وتاب عليه [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"تفسير مقاتل" 164/ ب، و"جامع البيان" 29/ 29، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ أ.]] ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾ لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض. وذكرنا تفسير هذا عند قوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [[عند تفسيره الآية (145) سورة الصافات. قال: العراء: المكان الخالي. قال أبو عبيدة: وإنما قيل له: عراء، لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه. وقال الليث: العراء: الأرض الفضاء التي لا تستر بشيء.]]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ قال ابن عباس والحسن [[(س): (والحسن) زيادة.]]: مذنب [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، وذكر ابن كثير في "تفسيره" 4/ 408 عن ابن عباس ومجاهد والسدي قوله: (وهو مغموم).]]. وقال الكلبي: (مذموم) ملوم مبعد من كل خير [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.]]. وقال مقاتل: يذم ويلام [[انظر: "تفسير مقاتل" 164/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 384.]]. ولكن ربه منَّ عليه فنبذ بالعراء وهو سقيم، وليس بمذموم للنعمة التي تداركه. قال أبو إسحاق: المعنى أنه قد نبذ بالعراء وهو غير مذموم؛ لأن النعمة قد شملته [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 211.]]. ويدل على ذلك قوله: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ قال ابن عباس: فاستخلصه واصطفاه الله [[انظر: "تنوير المقباس" 6/ 126، و"معالم التنزيل" 4/ 384، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 254.]]، ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: رد إليه الوحي وشفعه في قومه وفي نفسه [[انظر: "زاد المسير" 8/ 343، و"التفسير الكبير" 30/ 99.]]. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال الأخفش: (إن) مخففة من الثقيلة كما تقول: إن كان عبدُ الله لظريفًا. فمعناه [[(ك): (معناه).]]: إن عبد الله لظريف قبل اليوم [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 712.]]. وقوله: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ من أزلقه عن موضعه إذا رماه ونحاه، وهذه [[(ك): (بهذه).]] قراءة العامة. وقرأ نافع بفتح الياء [[قرأ الجمهور ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بضم الياء، وقرأ نافع وأبو جعفر ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ بفتح الياء. وهما لغتان، يقال: أزلق يزلق، وزلق يزلق، والمعنى واحد. انظر: "حجة القراءات" (718)، و"النشر" 2/ 389، و"الإتحاف" (422).]]. يقال: زلق هو وزلقته. مثل: شترت عينه وشترتها أنا [[الشتر: انقلاب في جفن العين قلما يكون خلقة. والشتر مخففة: فعلك بها. "اللسان" 2/ 268 (شتر).]] وحزن وحزنته [[لغتان: تقول: حزنني يحزنني حزنًا فأنا محزون. ويقولون: أحزنني فأنا محزن وهو محزن. "اللسان" 1/ 627 (حزن).]] ، والأول أكثر وأوسع؛ لأنه يقال: زلق من موضعه وأزلقته أنا فينقل الفعل بالهمزة. والمفسرون بعضهم علي أن هذه الآية نزلت في قصد الكفار أن يصيبوا رسول الله -ﷺ- بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظرًا شديدًا ويقولون [[(ك): (قال ويقولون).]]: ما رأينا مثله ولا مثل حججه، يريدون أن يصيبوه [[(ك): (يصيبونه).]] بالعين. وهذا قول الكلبي ومن تابعه [[وهو قول قتادة، والنضر بن شميل، والأخفش، والسدي، وغيرهم. انظر: "جامع البيان" 29/ 30، و"الكشف والبيان" 12/ 173/ ب، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 409، ورجحه.]]. قالوا: ذكر الله شدة نظرهم إليه للإصابة بالعين. وأما أهل التحقيق من المفسرين وأصحاب العربية فإنهم ذهبوا إلى غير هذا. قال الفراء: إن كادوا ليزلقونك. أي ليرمونك ويزيلونك [[(ك): (ويزلقونك).]] عن موضعك بأبصارهم، كما يقال: كاد يصرعني لشدة نظره إليّ. وهو بين من كلام العرب كثير [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 179.]]. وقال المبرد: أي يحدون النظر إليك حتى يكاد يزلقك نظرهم. وهذا كلام معروف عند العرب. وقال أبو إسحاق: مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في الكلام. يقول القائل: نظر إلى فلان نظرًا يكاد يصرعني [[(س): من قوله (لشدة نظره إلى وهو بين) إلى هنا زيادة.]] ونظرًا يكاد يأكلني. وتأويله أنه نظر إليَّ نظرًا لو أمكنه معه [[(ك): (معه)، (س): (معي).]] أكلي، أو أن يصرعني لفعل. وهذا واضح [[انظر: "معاني القرآن" 5/ 212.]]. وقال ابن قتيبة: ليس يريد الله عز وجل في هذا الموضع أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يزلقك أي يسقطك كما قال الشاعر [[البيت ورد غير منسوب في "تفسير غريب القرآن" (482)، و"مشكل القرآن" (170 - 171)، و"البيان والتبيين" 1/ 11، و"الكشاف" 4/ 478، و"زاد المسير" 8/ 344، و"اللسان" 3/ 60 (قرض)، و"البحر المحيط" 8/ 317 ومعنى (يتقارضون) أي: ينظر بعضهم إلى بعض نظر عداوة وبغضاء.]]: يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرًا يزيل مواطئ الأقدام وقال أبو علي: معنى ﴿لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ أنهم ينظرون إليك نظر البغضاء كما قال: ينظر الأعداء المنابذون، وأنشد البيت الذي أنشده ابن قتيبة [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 6/ 312 - 313، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 256.]]. والدليل على صحة ما ذهب إليه هؤلاء أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن. وهو قوله: ﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾، وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء، والإصابة بالعين إنما تكون مع الإجاب والاستحسان، ولا تكن مع الكراهية والبغض، ويدل على ما ذكرناه قوله: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن [[نسبه الرازي إلى الجبائي ثم قال: واعلم أن هذا السؤال ضعيف؛ لأنهم وإن كانوا يبغضونه من حيث الدين لعلهم كانوا يستحسنون فصاحته وايراده للدلائل. انظر: "التفسير الكبير" 30/ 100، ونسبه القرطبي في "جامعه" 18/ 255 للقشيري. قلت: بل حال المشركين في مكة مع القرآن والنبي -ﷺ- يدل على غاية الاستحسان ونهاية التعجب ولم ينسبوه -ﷺ- إلى السحر والكهانة وغير ذلك إلا لشدة تأثيره على السامع، وقد بذلوا كل ما في وسعهم لصد القادمين إلى مكة من ملاقاة النبي -ﷺ- أو سماعه وما ذاك إلا خشية دخول الناس في هذا الدين وصدق الله إذ يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]، وليس في الآية ما يمنع الجمع بين نظر العداوة والبغضاء، ونظر الحسد والإصابة بالعين، والله أعلم.]] ، فقال الله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ يعني القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 385.]]. والله تعالى أعلم.