الباحث القرآني

الْحَاقَّةُ
﴿الْحَاقَّةُ (1)﴾: أجمعوا [[وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، ومقاتل. انظر "تفسير مقاتل" 206/ ب، و"جامع البيان" 14، 29/ 47، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 397، وممن نقل الإجماع الرازي في "التفسير الكبير" م 15 جـ 30/ 102، والشوكاني في "فتح القدير" عن الواحدي 5/ 278، وإليه ذهب الطبري (المرجع السابق)، والثعلبي في "الكسثف والبيان" جـ12، 174/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 385، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 356، والزمخشري في "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" 4/ 132، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 78، والقرطبى في "الجامع لأحكام القرآن" م9 جـ18/ 385 نقلاً عن الطبري، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 440، والسعدي في "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" 5/ 295. كما ذهب إلى القول إنها القيامة، اليزيدي في "غريب القرآن وتفسيره" 386، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 383، والسجستاني في "نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العزيز" 210، والراغب في "المفردات في غريب القرآن" 125، والخزرجي في "نفس الصباح في غريب القرآن وناسخه ومنسوخه" 2/ 730، وأنجو حيان في "تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب" 107. وقد خالف الإجماع == ابن بحر، فقد ذهب إلى أن معنى (الحاقة) أنه ما حق من الوعد والوعيد بحلوله. انظر: "النكت والعيون" للماوردي 6/ 75. وهذا القول المخالف للجمهور لم يذكره الواحدي، واعتمد قول الجمهور، واعتبره إجماعًا. وهذا منهج سلكه الإمام الواحدي في حكايته الإجماع، فما كان عليه الجمهور من المفسرين وموافقًا للغة هو الإجماع عنده. والله أعلم.]] على أن المراد بها القيامة. واختلف [[في (أ): اختلف بغير واو.]] في معنى الحاقة، قال [[في (ع): فقال.]] الفراء -وهو قول الكلبي-: سميت بذلك ، لأن فيها الثواب وحَوَاقَّ الأمور [[حواق الأمور، أي: صحاح الأمور. انظر: "نزهة القلوب" 210.]]، قال: والعرب تقول: لما عَرَّفت مني [[في (أ): من.]] الحَقَّةَ هربت [[في (أ): (هويت)، والصواب ما جاء في (ع) لموافقته لنص الفراء في "معاني القرآن" 3/ 79. ومعنى القول -والله أعلم- أنك لما عرفت الحقيقة مني هربت، فالحَقَّة هي حقيقة الأمر. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 383.]]، والحَقَّة والحاقة كلاهما في معنى واحد [["معاني القرآن" 3/ 179 بتصرف، ولعل الواحدي نقله عنه عن "تهذيب اللغة" 3/ 377 (حقَّ). ونص عبارته كما في المعاني قال: والحاقة القيامة؛ سميت بذلك لأن فيها الثواب والجزاء، والعرب تقول لمّا عرفت الحقة مني هربت، والحاقة، وهما في معنى واحد. وفي "تهذيب اللغة" نقل عن الفراء: الحقو والحاقة بمعنى واحد. 3/ 377 مادة (حقَّ).]]، هذا كلامه. ويحتاج فيه إلى شرح، وهو: أن ما ذكره يتضمن قولين في معنى الحاقة: أحدهما: أنها ذات الحواق من الأمور، وهي الصَّادقة الواجبة الصدق والثواب والعقاب، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود، فهي كلها حواقٌّ. القول الثاني: أن الحاقة بمعنى الحق. قال الليث: الحاقة: النازلة التي حقت، فلا كاذبة لها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وهذا الذي ذكره معنى قوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)﴾ [الواقعة: 2]، وقال غيره: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: الساعة التي يحق فيها الجزاء على كل ضلال وهدى، وهي القيامة [[بمعنى هذا القول ورد عن مقاتل في "تفسيره" 206/ أ، قال: يعني الساعة التي فيها حقائق الأعمال، يقول تحق للمؤمنين عملهم، وتحق للكافرين عملهم. وقد ورد ما ذكره الواحدي عن الغير في "التفسير الكبير" للفخر الرازي م 15جـ 30/ 102، وانظر "لباب التأويل في معاني التنزيل" للخازن 4/ 303 من غير عزو، في كلا المرجعين، وعن قتادة أنه قال: حقت لكل قوم أعمالهم، و"تفسير عبد الرزاق" 3/ 312، و"بحر العلوم" 3/ 397، و"الدر المنثور" للسيوطي 8/ 264، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، و"المستدرك على الصحيحين" للحاكم 2/ 500، كتاب التفسير، تفسير سورة الحاقة.]]. وقال صاحب النظم: الحاقة تحق على القوم، أي: تقع بهم [[بياض في (ع)]] [[وقد ورد معنى قول صاحب النظم في "التفسير الكبير" م 15، جـ 30/ 102 من غير عزو. وانظر: "لباب التأويل" 4/ 303 من غير عزو.]]. وقال المبرد: اشتقاقها [[في (ع): اشتقاقًا.]] من حقَّ الشيء، فهو حاق للواجب [[بياض في (ع).]] الذي لا شك فيه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الزجاج [[بياض في (ع).]]: لأنها تحق كل إنسان يعمله من خير وشر [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 213، وعبارته "وسميت الحاقة ، لأنها تحق كل شيء يعمله إنسان من خير أو شر"]]. ولا أدري ما معنى هذا القول، ولا أيش [[أيش كلمة منحوتة من أي شيء، وهي بمعناها للاستفهام. "معجم متن اللغة" أحمد رضا 1/ 222.]] أراد بقوله: يحق كل إنسان يعمله [[قوله كل إنسان يعمله بياض في (ع).]]. قال الأزهري: والذي عندي في الحاقة: أنها سميت [[بياض في (ع).]] بذلك؛ لأنها تحق [[في (أ): حق.]] كل مُحاق في دين الله بالباطل [[قوله بالباطل أي كل مخاصم، بياض في (ع).]]، أي كل مخاصم، فتحُقُّه، أي: تغلبه. من قولك: حَاققته أُحَاقهُ حِقاقاً فحققته أحُقُّه، أي: غلبته، وفَلَجْتُ [[فَلَجَ عليه: ظفر بما طلب، وفلج بحجته أثبتها، وأفلج الله حجته، بالألف: أظهرها. انظر "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير" لأحمد بن محمد الفيومي 2/ 578.]] عليه [[ورد هذا القول في "تهذيب اللغة" 3/ 377 مادة (حق)، وليس هو من قول الأزهري، بل نسبه إلى الغير. قال: وقال غيرهما -يعني الزجاج والفراء-: سميت القيامة حاقة؛ لأنها تحق كل مُحاق في دين الله بالباطل ... إلخ. وانظر: "التفسير الكبير" م 15 جـ 30/ 102.]]. قال أبو إسحاق: ﴿الْحَاقَّةُ (1)﴾ مرفوع بالابتداء، و (ما) في قوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ (2)﴾ [[بياض في (ع).]]، رفع بالابتداء أيضًا، و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الثانية خبرها، والعائد على ﴿الْحَاقَّةُ﴾ الأولى الثانية على تقدير: الحاقة ما هي. والمعنى تفخيم شأنها، واللفظ لفظ الاستفهام، كما تقول: زيد مَا هُوَ؟ على تأويل التعظيم لشأنه في مدح كان أو (في) [[ساقطة من (أ).]] ذم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 213.]]. وقال صاحب النظم: قوله: ﴿مَا الْحَاقَّةُ (2)﴾ هو تفخيم وتهويل لها، (و) [[ما بين القوسين ساقط من ع.]] مثله قوله: ﴿الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2)﴾ [القارعة: 1، 2]. قال امرؤ [[في (أ): امرئ.]] القيس: دَعْ [[في (ع): درع.]] عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حُجُراتِه ... ولكِنْ حدِيث ما حديثُ الرَّواحِل [[قوله حديث .. إلى آخر البيت بياض في (ع). والبيت ورد في "ديوانه" 146 برواية "حَجَراته ولكن حديثًا ما حديث"، ومعنى النهب الغنيمة، الحجرات النواحي، يقول لخالد جاره: دع عنك نهبًا أغير عليه، وصِيح في نواحيه، وحدثنا حديثًا عن الرواحل كيف ذهب بها. وقد قال هذه القصيدة يوم أخذ بنو جذيلة إبله ورواحله، يهجو خالدًا السدوسي. "ديوان امرى القيس" المرجع السابق.]] قوله: ﴿مَا﴾ حديث تفخيم وتهويل (له) [[ساقطة من (أ).]]، ثم زاد في التهويل فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)﴾ و ﴿مَا﴾ مَوْضعها رفع، وإن كان بعد "أدراك" لأن ما كان في لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، المعنى: ما أعلمك أي شيء الحاقة [[نقله الواحدي بنصه عن الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 213.]]. وقال أهل المعاني: إنما قيل له: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)﴾ مع أنه يعلمها؛ لأنه إنما يعلمها بالصفة، فقيل تفخيماً لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)﴾، أي: كأنك [[في (أ): كانت.]] لست تعلمها [[في (ع): بعلمها.]] إذا [[في (ع): إذ.]] لم تعاينها، ولم تر ما فيها من أهوالها [[انظر قول أهل المعاني في "معالم التنزيل" 4/ 385، و"زاد المسير" 8/ 78 - 79.]]. قال مقاتل: ثم أخبر عنها فقال: