الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ
قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ قال الكلبي عن ابن عباس: يعني: زمن نوح طغى الماء على خزانه، وكثر عليهم، فلم يدروا كم خرج، وليس من السماء قطرة قبله ولا بعده إلا بكيل معلوم غير ذلك اليوم [[ورد قوله في "النكت والعيون" 6/ 79، وأورده الفخر عن الكلبي في "التفسير الكبير" 30/ 103.]]. فذهب -هاهنا- كما ذكر في قوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: غضب الماء لغضب [[في (أ): بغضب.]] الرب، وطغى على الخزان [["جامع البيان" 30/ 54، و"الدر المنثور" 8/ 267، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ. وانظر: "تفسير سعيد بن جبير" تحقيق إبراهيم النجار 352. والرواية عند الطبري على النحو الآتي عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11)﴾ قال: لم تنزل من السماء قطرة إلا بعلم الخزَّان، إلا حيث طغى الماء، فإنه قد غضب لغضب الله فطغى على الخزان، خرج ما لا يعلمون ما هو. والرواية عن سعبد بن جبير مرسلة ضعيفة السند لوجود ابن حميد، قال عنه الحافظ ابن حجر: ضعيف "التقريب" 2/ 156 - 159.]]. وسائر المفسرين قالوا في: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾ تجاوز حده، وخرج عن (الحد حتى علا كل شيء، وارتفع فوقه بخمسة عشر ذراعًا. [[الذراع: اليد من كل حيوان، لكنها في الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع. "المصباح المنير" 1/ 246، مادة (ذرع). وانظر "مختار الصحاح" 221 (ذرع).]] وهو قول: قتادة [[ورد قوله في "تفسير مقاتل" 207/ أ، و"تفسير القرآن" لعبد الرزاق 2/ 312، و"جامع البيان" 29/ 54، و"الكشف والبيان" 12/ 176/ أ، و"القرطبي" 18/ 263، و"الدر المنثور" 8/ 267، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثل قوله من غير نسبة في "معالم التنزيل" 4/ 387، و"زاد المسير" 8/ 81.]]. وقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي حملنا آباءكم) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] وأنتم في أصلابهم، والذين خوطبوا بهذا [[في (ع): هذا.]] ولد الذين حملوا، وهذا كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: 41] [[وردت في النسختين ذرياتهم.]] الآية [[الآية ساقطة من (أ).]]. وهذا معنى قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 207/ أ.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد عند الطبري بنحو هذا القول من غير عزو؛ مذكور بصيغة التضعيف قيل. انظر: "جامع البيان" 29/ 55.]]. وقوله: ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ يعني في السفينة التي تجري في الماء، وهي سفينة نوح عليه السلام، و"الجارية" من أسماء السفينة [[وهو قول ابن عباس، وابن زيد أيضًا. "جامع البيان" 29/ 54. قال ابن عاشور و"الجارية" صفة لمحذوف، وهو السفينة، وقد شاع هذا الوصف حتى صار بمنزلة الاسم. "تفسير التحرير والتنوير" 29/ 123.]]، ومنه قوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ [الرحمن: 24]، وقد مر [[قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ يعني السفن، واحدتها جارية، كقوله: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.]]. قوله: ﴿لِنَجْعَلَهَا﴾ قال الفراء: النجعل السفينة لكم تذكرة وعظة) [["معاني القرآن" 3/ 181 بنصه.]]، وليس هذا بالوجه، والوجه ما قال أبو إسحاق: لنجعل تلك الفعلة من إغراق قوم نوح، ونجاة من آمن معه تذكرة لكم [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215، نقله عنه الواحدي بتصرف.]]، أي عبرة وموعظة. ويدل على صحة هذا الوجه قوله: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. قال ابن عباس: تحفظها، وتسمعها أذن حَافظةٌ لما جاء من عند الله [["جامع البيان" 29/ 55 بمعناه. قال: حافظف وانظر: "النكت" 6/ 80. وقال أيضًا سامعة، وذلك الإعلان. وعن قتادة بنحوه، قال أذن عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. المرجع نفسه. وعن الضحاك أيضًا بمعناه، وعن ابن زيد. انظر المرجع نفسه. قال ابن عاشور: والوعي: العلم بالمسموعات، أي ولتعلم خبرها أذن موصوفة بالوعي، أي من شأنها أن تعي. وهذا تعريض بالمشركين إذ لم يتعظوا بخبر الطوفان، والسفينة التي نجا بها المؤمنون، فتلقوه كما يتلقون القصص الفكاهية. "تفسير التحرير والتنوير" 29/ 123.]]. والسفينة لا توصف بهذا. (ويقال لكل شيء حفظته في نفسك: قدْ وَعَيْتُهُ، ووعيت العِلمَ، وَوَعَيْتُ ما قلت، ويقال لكل ما حفظته في غير نفسك: أوْعَيْتُهُ، يقال: أوعيت المتاعَ في الوعاء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215 - 216 نقله الواحدي عن الزجاج بتصرف. وراجع مادة: (وعى) في "تهذيب اللغة" 3/ 359 - 360، و"معجم مقاييس اللغة" 6/ 124، و"لسان العرب" 15/ 396]]. ومنه قول الشاعر [[هو: عَبِيدُ بن الأبْرَص بن جُشم بن عامر.]]: وَالشَّرُّ أخْبَثُ مَا أوْعَيْتَ مِنْ زَادِ [[وصد ره: الخَيْرُ يَبْقَى وإنْ طالَ الزَّمانُ بِهِ وقد ورد في "ديوانه" 15، دار صادر، كما ورد منسوبًا له في "الصحاح" للجوهري 6/ 2525، (وعى)، و"لسان العرب" 15/ 397، و"تاج العروس" للزبيدي 10/ 393، وورد غير منسوب في "معجم مقاييس اللغة" 6/ 124، و"الكامل" للمبرد 1/ 143، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 713.]] وقال أبو عِمْران الجوني [[في (أ): الحولاني.]]: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أذن عقلت [[غير مقروءة في (ع).]] عن الله [[ورد قوله في "المحرر الوجيز" 5/ 358.]]. وقال قتادة: أذن سمعت، وعقلت ما سمعت [[بياض في (ع).]]، وأوعت [[في (أ): وأودعت. وورد قوله هذا في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 313، و"جامع البيان" 29/ 55 بنحوه، و"النكت" 6/ 80، و"معالم التنزيل" 4/ 387 بنحوه، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 363 - 364 بمعناه، و"البحر المحيط" 8/ 322، و"الدر المنثور" 8/ 268، وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد.]]. قال الفراء: لتحفظها كل أذن [[بياض في (ع).]]، فتكون عظة لمن يأتي بَعْدُ [["معاني القرآن" 3/ 181 بنصه.]]. وقال أبو إسحاق: (معناه: ليحفظ السَّامعُ ما يَسْمع، ويعمل به) [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 215 بنصه.]]. فمعنى واعية: سامعة حافظة قابلة لما يجعل فيها، وذلك بأن تعتبر، وتعمل بالموعظة، والمعنى لصاحب الأذن. قال أهل المعاني: ووجه التذكير في هذا أن نجاة قوم نوح من الغرق بالسفينة، وتغريق مَنْ سواهم يقتضي مدبرًا [[في (أ): مدرًا.]] قادرًا على ما شاء [[لم أعثر على مصدر لقولهم.]]. وقراءة العامة: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ بكسر العين [[وهم: نافع المدني، وابن كثير المكي، وأبو عمرو بن العلاء، وابن عامر الدمشقي، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وحمزة بن حبيب الزيات، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع، ويعقوب الحضرمي، وخلف ابن هشام البزاز. انظر كتاب: "السبعة" لابن مجاهد: 648، و"الحجة" 6/ 316، و"المبسوط في القراءات العشر" للأصبهاني 379، و"تحبير التيسير في قراءة الأئمة العشرة" لابن الجزري 192.]]. وروي عن ابن كثير: (وتَعْيَها) ساكنة العين [[وهي رواية القواس عن ابن كثير. انظر: "الحجة" 6/ 135، كتاب السبعة 648، و"المبسوط" 379. وقال ابن الجزري في قراءة: ﴿وَتَعِيَهَا﴾ وجاء عن ابن كثير وعاصم وحمزة في ذلك ما لا يصح. قلت: وهذا رأي لابن الجزري لا يعارض بما أثبت في كتاب "الحجة" من صحة القراءة، والله أعلم. انظر: "تحبير التيسير" 192، و"مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه 161.]]، كأن حرف المضارعة [[بياض في (ع).]] مع مَا بَعْدَهُ بمنزلة (فَخْذٍ) فأسْكن كما يُسكن (كتِف) ونحوه؛ لأن حروف المضارعة لا تنفصل من الفعل، فأشبه ما هو من نفس الكلمة، وصار كقول من قال: وَهْوَ، وَهْيَ. ومثل ذلك قوله: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: 52] في قراءة من سكن القاف [[انظر: "الحجة": 6/ 316 بتصرف، وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 107.]]، وقد سبق الكلام في نحو هذا [[ومما جاء في قراءة: ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بسكون القاف، وكسر الهاء مختلسة، وهي قراءة == حفص عن عاصم، ووجهه: أن تقه من يتقه بمنزلة: "كتف" فكما يسكن "كتف" كذلك سكن القاف من يقه. وقال ابن الأنباري: هذا على لغة من يسقط الياء، ويسكن الحرف الذي قبلها في باب الجزم، فيقول: لم أرَ زيدًا ،ولم أشرِ طعامًا، ولم يتقِ زيدًا، وهو من التوهم، والتقدير: لما ذهبت الياء استوثقوا من الجزم بتسكين ما قبل الياء.]].