الباحث القرآني

فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ
﴿فَلَا [[في (أ): لا أقسم.]] أُقْسِمُ (3)﴾ [[تمام الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38)﴾.]] ذكرنا هذا في مواضع [[من المواضع التي ذكرت فيه: [الواقعة: 75] قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)﴾ [الواقعة: 75] ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40)﴾ [المعارج: 40]، [القيامة 1 - 2] ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (¬2) ﴾. وغيرها من السور نحو: [التكوير:15] ، [الانشقاق:16] ، [البلد: 1].]]، أن (لا) هاهنا يجوز أن تكون صلة [[يقابله عند البصريين: حروف الزيادة، وسبب تسميتها بحروف الصلة لأنه يتوصل بها إلى زنة، أو إعراب لم يكن عند حذفها، انظر: "نحو القراء الكوفيين" 341.]] مؤكدة [[قال بذلك النحاس في إعراب القرآن: 5/ 24، وانظر كتاب: حروف المعاني للزجاجي 8.]]، ويجوز أن تكون ردًا لكلام من سبق، كأنه قيل: ليس الأمر كما [[بياض في (ع).]] يقول المشركون [[انظر كتاب: "حروف المعاني" للزجاجي 8، و"النكت" 6/ 86، و"زاد المسير" 8/ 86، و"التفسير الكبير" 30/ 116، و"لباب التأويل" 4/ 306.]]. وقال بعض أهل المعاني: (لا) هاهنا نافية للقسم، على معنى أنه لا يحتاج إليه، لوضوح [[بياض في (ع).]] الحق في: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾ [الحاقة: 40]؛ قال: وفي هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من القسم [[لم أعثر على مصدر القول، وورد عند الفخر في "التفسير الكبير" 30/ 116 من غير عزو، وانظر: "الدر المصون" 6/ 368.]]. قوله: ﴿بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)﴾. قال عطاء عن ابن عباس: بما تبصرون اليوم، وما لا تبصرون من الهدى الذي جاء به محمد -ﷺ- [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] وقال الكلبي: بما تبصرون من الخلق من شيء، وبما لا تبصرون من شيء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال مقاتل: بما تبصرون من الخلق، وبما لا تبصرون من الخلق [["تفسير مقاتل" 207/ ب.]]. وقال قتادة: أقسم بالأشياء كلها، ما [[في (أ): بما.]] يبصر منها، وما لا يُبْصَرُ [["معالم التنزيل" 4/ 390، و"فتح القدير" 5/ 285.]]. والمعنى في هذا: جميع المكونات، والموجودات، فيدخل في هذا: الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾. يعني القرآن. والرسول الكريم هو: جبريل، في قول الكلبي [["النكت" 6/ 865، و"زاد المسير" 8/ 86، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 274، و"فتح القدير" 5/ 286.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 207/ ب. وانظر المراجع السابقة.]]. ويكون المعنى: إنه لرسالة رسول كريم، فسمى رسالته: قولاً. وقال الحسن: هو محمد -ﷺ- [[لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله عن الكلبي في "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 275.]]. وعلى هذا معناه: إنه لتلاوة رسول كريم، وتلاوته: قوله. وهذا هو الأظهر [[وهو الذي عليه الأكثرون من المفسرين، انظر: "جامع البيان" 29/ 66، و"معالم التنزيل" 4/ 395، و"زاد المسير" 8/ 86، و"لباب التأويل" 4/ 306.]] لقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ وهم إنما نسبوا محمدًا -ﷺ- إلى أنه شاعر، لا جبريل. وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾. (ما) لغو، وهي مؤكدة [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 218.]]. قال مقاتل: يعني بالقليل أنهم لا يصدقون بأن القرآن من الله [["التفسير الكبير" 30/ 117.]]. والمعنى: لا يؤمنون أصلاً، والعرب تقول: قلما تأتينا، يريدون: لا يأتينا أصلاً. وقال الكلبي: القليل ما إيمانهم أنهم: إذا سئلوا من خلقهم؟ (ليقولن الله [[[الزخرف: 87] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)﴾.]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] وهذا مشروح في مواضع [[نحو ما جاء في [البقرة: 88] قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. ومما جاء في معنى القليل الوارد في الآية: يريد فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظ القلة في موضع النفي، فيقول: قلّ ما رأيت من الرجال مثله، وقيل ما تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل، وقال أبو عبيدة: معناه: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، وقال قتادة: معناه: لا يؤمن منهم إلا القليل، كما ذكرت أول أخرى في: أحدها: يؤمنون إيمانًا قليلاً، وذلك أنهم يؤمنون بالله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن. الثاني: يؤمنون == قليلاً من الزمان، ويكفرون أكثره. الثالث: أن تكون "ما" مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بقليل، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم.]]. (وقُرئ: (تؤمنون) و ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [[في (أ): (يذكرون)، وهو خطأ.]] بالتاء [[في (أ): (بالتاء)، وهو خطأ.]]، على خطاب المشركين [[قرأ بذلك: نافع، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو جعفر. انظر: "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 386، كتاب: السبعة 648 - 649، و"الحجة" 6/ 315، و"المبسوط" 380، و"حجة القراءات" 720، و"الكشف" 2/ 333.]]، وبالياء على أنه خطاب لمحمد -ﷺ-، وإخبار عن المشركين [[وقرأ بذلك: ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب فيها بالياء. انظر المراجع السابقة.]]، كأنه قال: قليلاً ما يؤمنون يا محمد) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن "الحجة" بتصرف: 6/ 315.]]. ثم بين أن القرآن مع أنه قول رسول كريم؛ تنزيل من الله، فقال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43)﴾ أي: هو تنزيل ﴿وَلَوْ تَقَوَلَ عَلَينَا﴾ محمد ما لم نقله، أي: تكلف، أي: تقول من قبل نفسه [ما] [[زيادة أثبتها تقتضيها استقامة المعنى.]] لم يوح إليه. قال المفسرون [[ممن قال بذلك: الفراء في "معاني القرآن" 3/ 183، الطبري في "جامع البيان" 29/ 66، السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 400، البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 390، ابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 362، ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 86، القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 275.]]: لو تقول علينا محمد شيئاً [[بياض في (ع).]] من تلقاء نفسه لم نقله ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45)﴾ ذكروا في هذا قولين: أحدهما: أن اليمين هَاهنا بمعنى القوة والقدرة، وهو قول الفراء [["معاني القرآن" 3/ 183، ولم يستشهد ببيت الشماخ.]]، والمبرد [["الكامل" 1/ 167.]]، (والزجاج) [[ورد قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 218.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وأنشدوا قول الشماخ: إذَا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بالْيَمِينِ [[ورد البيت منسوبًا للشماخ في "ديوانه" 336، و"لسان العرب" 1/ 593: (عرب)، الأمالي للقالي: 1/ 274، و"الكامل" للمبرد 1/ 167، و2/ 825، و"تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة: 242، و"الكشف والبيان" 12/ 180/ أ، و"النكت" 6/ 86، و"معالم التنزيل" 4/ 390، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 275، و"التفسير الكبير" 30/ 117، و"البحر المحيط" 1/ 160، و"فتح القدير" 5/ 286. وورد منسوبًا للحطيئة في "الصحاح" 1/ 180 مادة: (عرب)، و"تاج العروس" 1/ 376 مادة: (عرب). وقد جاء في هامش "اللسان" "البيت ليس للحطيئة كما زعم الأزهري، أفاده الصاغاني"، ولم أعثر عليه في ديوانه. وقد ورد غير منسوب في الخصائص لابن جني: 3/ 249. ومعنى البيت: راية: أصل الراية العلم، ومنه: راية الحرب التي تجعل القوم يقاتلون ما دامت واقفة، وهي هنا استعارة، أي: إذا حدث أمر يقتضي فعل مكرمة، ويفتقر فيه إلى أن يطلع به رب فضيلة وشرب، نهض له الممدوح. تلقاها: استقبلها، وأخذها، وتلقفها، وهو هنا مجاز عن انعقاد المجد له، وحوزه إياه. باليمين: القوة والقدرة. "ديوانه" 338.]] وعلى هذا القول: (من) صلة [[يراد بقوله: "صلة"، أى: حرف زيادة، وهذا مصطلح أهل البصرة. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 341.]] في قوله: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ﴾ قال الفراء: لأخذناه [[في (أ): (لأخذنا). ولم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال ابن قتيبة: (اليمين هاهنا القوة، وإنما أقام اليمين مُقام القوة؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه؛ وهذا قول ابن عباس في اليمين [[وقول ابن عباس الواقع بين معترضتين ليس من قول ابن قتيبة، وقد ورد قوله في "الكشف والبيان" 12/ 179/ ب، والعبارة عنه: "لأخذناه بالقوة والقدرة"، واستشهد بقول الشماخ الآنف الذكر، و"معالم التنزيل" 4/ 390، و"المحرر الوجيز" 5/ 363 بمعناه، و"القرطبي" 18/ 275، و"لباب التأويل" 4/ 307، و"البحر المحيط" 8/ 329، و"الدر المنثور" 8/ 276، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. قال [[أي ابن قتيبة.]]: ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر، وهو: أن هذا الكلام ورد على ما اعتاده الناس من الأخذ بيد من تعاقب، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذوا بيده، وأكثر ما يقوله [[في (أ): يقول بغير هاء.]] السلطانُ والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده، (واسفع [[السفع: جاء في "اللسان" 8/ 158 "سفع بناصيته ورجله، يسْفَع سفْعًا: جذب، وأخذ، وقبض. وحكى ابن الأعرابي: اسْفَعْ بيده، أي خذ بيده".]] بيده) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. فكأنه قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنَّا، لأمَرْنَا بالأخذ بيده، ثم عاقبناه بقطع الوتين. وإلى هذا المعنى ذهب الحسن [[ورد قوله في "النكت" 6/ 86، والعبارة عنه: "لقطعنا يده اليمنى"، "والتفسير الكبير" 30/ 118، وعنه: لقطعنا وتينه، و"البحر المحيط" 8/ 329، وعنه: قطعناه عبرة ونكالًا.]]. [[نقله الواحدي من قول ابن قتيبة مختصرًا من "تأويل مشكل القرآن" 154 - 155.]] وقال مقاتل: لأخذنا منه باليمين، يعني انتقمنا منه بالحق [["تفسير مقاتل" 207/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 118.]]. واليمين على هذا القول بمعنى الحق، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات: 28]، أي: من قبل الحق، وكذلك قوله: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: 17]، وقد مر مستقصى [[ومما جاء في تفسير الآية: 82 من سورة الصافات: أن معنى "تأتوننا عن اليمين": أي من قبل الحق. وقالوا: من قبل الدين، وطاعة الله، بمعنى: تزينون الدين، وهو الكفر الذي كانوا عليه. وقيل: أي كنتم تمنعوننا بإضلالكم عن الدين الذي هو الحق. وقال ابن قتيبة: يقول المشركون لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا عن أيماننا؛ لأن إبليس قال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17]، فشياطينه تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات، بمعنى من [الكيد] والإضلال. قالوا: أجود ما قيل في هذا إنه من قول العرب: فلان عندي باليمين، أي: بالمنزلة الحسنة، وفلان عندي بالشمال، أي: بالمنزلة الخسيسة الدنية، فقال هؤلاء الكفار لأئمتهم الذين أضلوهم: إنكم كنتم تخدعوننا، وترونا أننا عندكم بمنزلة اليمين، أي بالمنزلة الحسنة، فوثقنا بكم من ذلك الجانب. وقال بعضهم -وهو قول قوي-: إن أئمة المشركين كانوا قد أخافوا لهؤلاء المستضعفين أن ما يدعون إليه هو الحق، فوثقوا بأيمانهم، وتمسكوا بعهودهم، فمعنى: ﴿كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي من ناحية المواثيق والأيمان التي قدمتموها لنا.]].