الباحث القرآني

عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ
وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37)﴾، وذلك أنهم كانوا عن يمينه وعن شماله مجتمعين [[لعله من قول الزجاج، فقد ورد عنه: "فكانوا عن يمينه وشماله مجتمعين". "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 223.]]. ومعنى ﴿عِزِينَ﴾ جماعات في تفرقة، واحدها عِزَة، وهي: العصبة من الناس، وهو من المنقوص الذي جاز جمعه بالواو والنون عوضاً من المحذوف، وأصلها عِزوة [[لعل الواحدي نقله بتصرف عن تهذيب اللغة عن الليث: 3/ 98، مادة: (عزا)، == وعبارته: "قال الليث: العِزة: عُصبة من الناس فوق الحَلْقة، والجماعة: عِزون، ونقصانها واو. وانظر أيضًا ما جاء عن الواحدي في مادة: (عزا) في المصادر التالية: "الصحاح" 6/ 2425، و"لسان العرب" 15/ 53.]]. والكلام في هذا كالكلام في (عضين [[سورة الحجر: 91، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)﴾. وقد جاء في تفسيرها: ذكر أهل اللغة في واحد ﴿عِضِينَ﴾ قولين: أحدهما: إن واحدها: عضة، وأصلها عضوة، من عضيت الشيء إذا فرقته، وكل قطعة عِضَة، وهي مما نقص منها واو، وهي لام الفعل، والتعضية: التجزئة والتفريق. قال ابن عباس في قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: يريد جزؤوه أجزاء، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى. القول الثاني: إنها عضة، وأصلها عضهة، فاستثقلوا الجمع بين هاءين، فقالوا: عضة. وهي من العضة بمعنى الكذب. وقال ابن السكيت: العضية أن تعضه الإنسان وتقول فيه ما ليس فيه، قال عكرمة: العضهْ: السحر بلسان قريش، وهم يقولون للساحر عاضه. وذكر الفراء القولين جميعًا في المصادر والمعاني، وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ جعلوه سحرًا مفترى، وجمعت العضة جمع ما يعقل لما لحقها من الحذف، فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا مما لحقها من الحذف.]])، وقد مرَّ. وقال الأزهري: وأصلها من قولهم: عزا فلان نفسه إلى بني فلان، يعزوها عزوًا: إذا انتمى [[في (أ): انتهى.]] إليهم، والاسم: العَزوة، وكأن العزوة كل جماعة اعتزاؤها واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 98، مادة. (عزا)، ونقله الأزهري عن أبي زيد، وليس من قول الأزهري -كما ذكر الواحدي-، وقد نقله الواحدي عنه بتصرف واختصار.]]. قال المفسرون [[ممن قال بذلك: الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 223، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12: 185/ ب، 186/ أ، وقال به أيضًا: ابن عطية في: == "المحرر الوجيز" 5/ 370، وابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 94، والقرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 294.]]: كانوا يقولون: إن كان أصحاب [[غير واضحة في: (ع).]] محمد يدخلون الجنة، فإنا ندخلها [[قوله: (الجنة فإنا ندخلها) بياض في. (ع).]] قبلهم، وإن أعطوا فيها شيئاً أعطينا أكثر منه، فقال الله عز وجل: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)﴾، والنعيم: ضد البؤس. قال (ابن) [[ساقطة من: (أ).]] عباس: يقول: أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي كما يدخلها المسلمون، ويتنعم فيها، وقد كذب بنبيي [["معالم التنزيل" 4/ 395، و"لباب التأويل" 4/ 311.]]؟. ﴿كَلَّا﴾ لا يكون ذلك، ثم استأنف كلامًا يدل على [[بياض في: (ع).]] البعث [[في (أ): النعت.]] فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. هذا معنى قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 209/ ب.]]، وعلى هذا لا تعلق لهذا الكلام بما قبله. وقال غيره [[وهو قول: قتادة، وأبي بكر. انظر: تفسير عبد الرزاق: 2/ 318، وعزاه إلى قتادة، وكذا "جامع البيان" 29،/87، و"الكشف والبيان" 12: 186/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 370، وإلى قتادة فقط في: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 294، ومعنى قوليهما: إلى قوله: من المقاذير والأنجاس.]]: هذا يتعلق بما قبله؛ على معنى: أنهم يعلمون مما خلقوا من المقاذر [[بياض في: (ع).]] والأنجاس، فمتى يدخلون الجنة ولم يؤمنوا بربهم، ولم يصدقوا [[قوله: (بربهم ولم يصدقوا) غير واضح في: (ع).]] رسوله [[في (أ): رسله.]]! نبه الله تعالى بهذا [[في (أ): هذا.]] على أن الناس متساوون (كلهم) [[ساقطة من: (أ).]] من [[في (أ): في.]] أصل واحد وشيء واحد، فتضمن هذا أنهم متساوون في أصل الخلقة، وإنما يتفاضلون بالإيمان والطاعة، هذا معنى قول أكثرهم [[وهذا معنى قول: ابن جرير في: "جامع البيان" 29/ 87، وقال به أيضًا: ابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 370، وأورده ابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 95، والقرطبي في: "الجامع" 18/ 294، والخازن في: "لباب التأويل" 4/ 311.]]. واختاره الزجاج، فقال: المعنى: فأي شيء لهم يدخلون به الجنة [[يدخلون به الجن: بياض في: (ع).]] [[النص في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 223.]]. وذُكر فيه قول آخر وهو أن المستهزئين [[بياض في: (ع).]] قالوا يحتقرون المؤمنين ويزرؤون بفقرائهم، فذكر الله أنهم مخلقون مما خلقوا. وهذا معنى قول الفراء: ولمَ يحتقرونهم، وقد خلقناهم جميعًا من تراب [["معاني القرآن" 3/ 186 باختصار يسير.]]؟!.