الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ معناه: وأقسم، وقد مر هذا في مواضع [[منها ما جاء في سورة الواقعة: 75، وسورة القلم: 17، وسورة الحاقة: 38. وانظر ما جاء فيها من تفسير سورة الحاقة: 38.]]. وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ يعني مشرق كل [[بياض في: (ع).]] يوم من السنة، ومغربه. ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ على أن نهلكهم حين عصوا. ﴿أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ من يطيعني. وقال مقاتل: لقادرون على أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله [["تفسير مقاتل" 209/ ب.]]. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ مفسر في قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ [[سورة الواقعة: 60. ومما جاء في تفسير: قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾: يريد: لا يفوتني شيء أريده، ولا يمتنع مني أحد، وقال المفسرون: على أن نأتي بخلق مثلكم بدلًا منكم، وقال أبو إسحق: أي إن أردنا أن نخلق خلقًا غيركم لم يسبقنا سابق، ولا يفوتنا.]]. وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ مفسر في آخر سورة الطور [[سورة الطور: 45. ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45)﴾: يقول: فخل عنهم، يعني لا يهتم بهم حتى يعاينوا يوم موتهم، وهذا تهديد لهم. ومعنى: ﴿يُصْعَقُونَ﴾ يموتون.]]. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)﴾، أي: ينسلون بسرعة، فكأنهم إلى عَلَمٍ نُصِبَ لهم يستبقون، وهذا كقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، و ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: 51]، وكقوله: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [[لعله عني الآية التي في سورة القمر: 7، فخلط الناسخ بينها وبين آية سورة المعارج، وتمامها: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7)﴾.]] الآيات. والنصب: كل شيء نُصب. قال ابن عباس: إلى غاية [[سورة القمر: 7، وقد سبق ذكرها.]]، أو علم يسرعون [[انظر: "الكشف والبيان" 12: 186/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 297. ووردت عنه بهذه الرواية في: "الكشف والبيان" 12: 187/ أ، وبنحوها في: "جامع البيان" 29/ 89 بعبارة: إلى علم يسعون، وكذا في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 452، و"الدر المنثور" 8/ 287 وعزاه إلى ابن جرير.]]. وهو [قول] [[في كلا النسختين: أقوال، وما أثبته هو الصواب.]] أكثر المفسرين [[وهو قول: أبي العالية، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والضحاك، وسفيان، وابن زيد، ومجاهد. انظر: "جامع البيان" 29/ 89 - 90، و"المحرر الوجيز" 5/ 371، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 452، و"الدر المنثور" 8/ 287، وبه قال الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224.]]. وقال الحسن: يعني إلى أنصابهم أيهم يستلم أولاً [["جامع البيان" 29/ 90، و"معالم التنزيل" 4/ 396.]]، يعني الأوثان. قال أبو إسحاق: وهذا على قراءة من قرأ: ﴿نَصَبٌ﴾ بضمتين [[وممن قرأ بذلك: ابن عامر، وحفص عن عاصم بضمتين، وقرأ يعقوب: ﴿نَصَبٌ﴾ بفتح النون والصاد. وقرأ الباقون: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ بفتح النون وسكون الصاد. انظر: "السبعة" 651، و"القراءات وعلل النحويين" 2/ 714، و"الحجة" 6/ 322 - 323، و"المبسوط في القراءات العشر" 382، و"الكشف والبيان" 12/ 336/ ب، و"النشر" 2/ 391.]]، كقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال: ومعناه: أصنام لهم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224 نقله عنه بالمعنى.]]. قال أبو علي: (النُصْب) يجوز أن يكون جمع نَصْب مثل: سَقْفٍ، وسُقْفٍ، ووَرْدٍ، ووُرْدٍ، فيجوز فيه التخفيف والتثقيل [[بياض في: (ع).]]، مثل: أَسدٍ في جمع أُسَدٍ، قال ويجوز أن يكون النَّصْبُ والنُّصْبُ لغتين مثل: الضَّعْف، والضُّعف، ويكون التثقيل كَشُغْل، وشُغُل، وطُنْب، وطُنُب [[الحجة: 6/ 323 نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف يسير. قال ابن فارس: "النون والصاد والباء أصل صحيح يدل على إقامة شيء وإهداف في استواء، والنَّصب: حجر كان يُنصب فيُعبد، ويقال: هو النُّصُب، وهو حجر يُنْصب بين يدي الصنم تصب عليه دماء الذبائح للأصنام". 6/ 434 (نصب). وجاء في "الصحاح" "النَّصْب: ما نُصب فعبد من دون الله تعالى، وكذلك النُّصْب (بالضم، وقد يحرك"). 1/ 225 (نصب). وفي "لسان العرب" "النَّصْب، والنُّصُب: العلم المنصوب، وقيل: النَّصْب: الغاية، والأول أصح". 1/ 759 (نصب).]]. والكلام في النصب والأنصاب قد تقدم [[في سورة المائدة: 3، والآية: 90، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. "النصب جمع نصاب، وجائز أن يكون واحدًا وجمعه أنصاب، ويراد به -كما قال ابن عباس-: الأصنام التي تنصب وتعبد من دون الله. وقال الكلبي: النصب حجارة كانت يعبدونها. وقال الفراء: النصب: الآلهة التي كانت تعبد من حجارة، وقال الزجاج: النصب: حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان. وقال الآخرون: كانت حول الكعبة أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم عليها، وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها، قالوا: وليست هي بأصنام، إنما الصنم ما يصور وينقش".]]. وقوله: ﴿يُوفِضُونَ﴾ قال [أبو عبيدة] [[في كلا النسختين: (أبي) عبيد، وأثبت ما رأيت أنه صواب لمماثلة القول لقول أبي عبيدة، وكثيرًا ما يخلط الناسخ بينهما. والله أعلم.]]: يسرعون [["مجاز القرآن" 2/ 270.]]. ونحو ذلك قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224.]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 186.]]. وأنشدوا: لأنْعَتَنْ [[في (أ): لا نعيق.]] نَعامَةً مِيفاضا ... خَرْجاءَ ظلت تطلُبُ الأضاضا [[عند الزجاج برواية: "تعدو" بدلًا من "ظلت". وقد ورد البيت عند الزجاج والفراء (مرجعان سابقان) من غير نسبة، وكذا في: شرح أبيات معاني القرآن للفراء ومواضع الاحتجاج بها. د. ناصر حسين علي: 196 شاهد: 440 - 441، و"لسان العرب" 7/ 115، و250 مادة: (أضض)، و (فض) برواية: "تغدو"، و"الإضاضا"، و"تاج العروس" 5/ 6، مادة: (أضَّ)، و"جامع البيان" 29/ 89 برواية: "تغدو" الإضاضا"، و"الدر المصون" 6/ 381. وموضع الشاهد: "ميفاضا" من الإيفاض، وهو الإسراع. والمعنى: الخَرْج: اللون، فإذا رُقِّع القميص الأبيض برقعة حمراء، فهو أخرج، و: "تطلب الإضاضا"، أي: تطلب موضعًا تدخل فيه وتلجأ إليه. انظر: شرح أبيات معاني القرآن، مرجع سابق.]] قال الزجاج: الميفاض: السريعة، والأضاض: الموضع الذي يُلْجأ إليه، [يقال] [[ساقط من النسخين، ومثبت من معاني القرآن وإعرابه، وبه يستقيم المعنى.]]: أضَّتْني إليك حاجةً أضاضا [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 224 باختصار.]]. وقال المبرد: الإيفاض [[في (أ): الإيضاض.]]: ضرب من السير [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وجميع ألفاظ المفسرين دالة على الإسراع. قال ابن عباس [[راجع الحاشية رقم: 11 صفحة: 153.]]، وقتادة [["جامع البيان" 29/ 89، و"الكشف والبيان" 12: 187/ أ.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: يسعون. وقال أبو (العالية) [[غير واضحة لبياض في (ع)، وورد قوله هذا في: "جامع البيان" 29/ 89، و"الكشف والبيان" 187/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 97، و"المحرر الوجيز" 5/ 371، و"الدر المنثور" 8/ 287، وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، ومجاهد [[المراجع السابقة في مصادر قول أبي العالية عدا المحرر الوجيز.]]: يستبقون [[في (أ): يستمعون.]]. وقال الحسن: يبتدرون [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 297 مطولًا، و"الدر المنثور" 8/ 287، وعزاه إلى عبد بن حميد، كما ورد مطولًا أيضًا في "فتح القدير" 5/ 295.]]. وقال محمد بن كعب: يشتدون [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الليث: الإبل تَفِضُ وَفْضًا، وتَسْتَوْفِض، وأوفَضَها صاحبها. وعلى هذا الإيفاض واقع، وهو في الآية مطاوع [[المطاوعة هي: قبول فاعل فعل أثر فاعل آخر يلاقيه اشتقاقًا، وهو حصول الأثر الأول للثاني مع التلاقي اشتقاقًا. انظر: معجم المصطلحات النحوية والصرفية: د. محمد اللبدي: 141.]]، ويقال: وفض واستوفض بمعنى واحد [["تهذيب اللغة" 12/ 82 مادة: (وفض)، نقله الواحدي عن الأزهري باختصار. وانظر مادة: (وفض) في: مختار "الصحاح" 730، و"تاج العروس" 5/ 97، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 486، المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني: 528، و"نفس الصباح": 774، و"تحفة الأريب" لأبي حيان: 319.]].