الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5)﴾ قال مقاتل: فاصبر يا محمد على تكذيبهم إياك بأن العذاب غير كائن، صبرًا لا جزع فيه [["تفسير مقاتل" 208/ ب، و"فتح القدير" 5/ 289 مختصرًا.]]. قال الكلبي: هذا قبل أن يؤمر [[بياض في: (ع).]] بالقتال [[ورد قوله في: "التفسير الكبير" 3/ 125. وأبطل ابن الجوزي دعوى النسخ فقال: "وزعم قوم، منهم ابن زيد، أن هذا كان قبل الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية السيف. نواسخ القرآن: 245، المصفَّى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ: 58، وكلاهما لابن الجوزي. وممن قال بالنسخ: هبة الله بن سلامة في "الناسخ والمنسوخ" 184، وابن البارزي في "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" 54. والصحيح -والله أعلم- أن الآية ليس فيها ما يدل على دعوى النسخ، إذ الأمر بالصبر على الأذى ليس فيه ما يتعارض مع القتال.]]. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ يرون العذاب. ﴿بَعِيدًا﴾. غير كائن. ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)﴾ كائناً؛ لأن ما هو آت قريب. ثم أخبر متى يقع بهم العذاب فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8)﴾ ذكرنا تفسير (المهل) عند قوله: ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ [[سورة الكهف: 29، ومما جاء في تفسير المهل: قال أبو عبيد: المهل: كل فِلِّز أذيب. وروي في حديث أبي بكر -رضي الله عنه- أنه أوصى في موضعه فقال: ادفنوني في ثوبي هذين، فإنما هما للمهل والتراب. قال أبو عمرو: المهل في شيئين، هو في حديث أبي بكر: القيح والصديد، وفي غيره درديّ الزيت. وقال الليث: المهل: ضرب من القَطِران. وعن شمر: قال: المهل: الملة إذا حميت جدًّا رأيتها تموج. وعن سعيد بن جبير مرفوعًا: أنه كعكر الزيت. وعن ابن عباس: كدردي الزيت، وعنه أيضًا: هو عكر القطران. وعن مجاهد: القيح والدم. وعن ابن مسعود: أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة، فخالطهما فأذيبا حتى إذا أزبدا وامّاعا قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار. وإلى هذا القول ذهب من قال: المهل هو الذي قد انتهى حرُّه. وهو اختيار الزجاج، قال: يعني أنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب، أو الصفر، أو الفضة.]]. قال ابن عباس: كدُرْديِّ [[دردي الزيت: هو ما يبقى في أسفله، وأصله ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان. "لسان العرب" 3/ 166، (درد)، وانظر: "الصحاح" 2/ 470.]] الزيت [["زاد المسير" 8/ 95، و"التفسير الكبير" 30/ 125، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 284، و10/ 394 عند تناوله الآية 29 من سورة الكهف، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 448، و"الدر المنثور" 8/ 282، وعزاه إلى الطستي، وانظر أيضًا: 5/ 385 وعزاه في هذا الموضع إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. وروى عنه عكرمة: كعكر [[العكر: آخر الشيء وخاثره من شراب وماء ودُهن. انظر: "الصحاح" 2/ 756 (عكر)، و"المصباح المنير" 2/ 506 (عكر).]] القطران [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الحسن: مثل الفضة إذا أذيبت [["معالم التنزيل" 4/ 393، و"التفسير الكبير" 30/ 125، و"لباب التأويل" 4/ 309.]]، وهو قول عبد الله [[أي عبد الله بن مسعود. انظر قوله في: "معالم التنزيل" 4/ 393، و"التفسير الكبير" 30/ 125، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 284.]]. ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9)﴾ معنى العهن في اللغة: الصوف المصبوغ، والقطعة [[في (أ): القطعنة.]]: عهنة، والجميع: العُهُون. وقال الليث: يقال لكل صوف عِهِن [[ورد قوله في "تهذيب اللغة" 1/ 145 مادة: (عهن). وانظر مادة (عهن) في: تهذيب اللغة، المرجع السابق، "الصحاح" 6/ 2169، و"لسان العرب" 13/ 296، و"تاج العروس" 9/ 276.]]. والمفسرون يقولون: كالصوف المنفوش [[وهو قول: مجاهد، وقتادة كما في: "جامع البيان" 29/ 73، وقول مقاتل كما في: "الكشف والبيان" 12/ 183/ أ، وقول السدي كما في: "ابن كثير" 4/ 448، وانظر: تفسير السدي الكبير 461. وإليه ذهب الزجاج في "معاني القرآن" 5/ 220.]]. وبعضهم [[كالحسن، انظر: "الكشف والبيان" 12/ 183/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 393، وهو في "لباب التأويل" 4/ 309 من غير عزو، وقوله من "كالصوف الأحمر" إلى: "هباء منثورًا".]] يقول: كالصوف الأحمر؛ وذلك أن الجبال [[بياض في: (ع).]] تصير رملاً مهيلاً، ثم تصير كالعهن المنفوش في خفتها وسيرها، ثم تصير هباءً منثوراً. قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)﴾ قال ابن عباس: الحميم: القريب الذي تغضب له ويغضب لك [["التفسير الكبير" 30/ 125.]]. يقول: لا يُسأل قرابة عن قرابته [[هذه العبارة من قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 220 بيانًا منه لمعنى قراءة الضم في: "يُسأل".]] إشغالاً بنفسه عنهم. وقال مقاتل: يقول لا يسأل الرجل قرابته من شدة الأهوال [["تفسير مقاتل" 209/ أ، و"زاد المسير" 8/ 91.]]. (والمعنى: لا يسأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم؛ لأنه يذهل عن ذلك ويشتغل عنه بشأنه، ألا ترى قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: 2]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34)﴾ [عبس: 34]، وقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)﴾ [عبس: 37]. فقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10)﴾ [[في (أ): عن حميم.]] [[في (أ): زيادة: (ليعرف شأنه من جهته حميمًا)، وهي زيادة لم ترد في الحجة، ولا فائدة من إثباتها.]] من قولك: سألت زيداً، أي: سألته عن حاله وأمره. ويجوز أن يكون المعنى: لا يَسْأل عن حميمه، فيُحذف الجار، ويوصل الفعل [[من قوله: "والمعنى: لا يَسْأل الحميم عن حميمه في ذلك اليوم" إلى: "ويوصل الفعل". في بيان معنى من قرأ: "يَسأل" بفتح الياء. وقد قرأ بذلك: نافع، وابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف. انظر: "كتاب السبعة في القراءات" 65، و"الحجة" 6/ 320، و"حجة القراءات" 722، و"تحبير التيسير" 192، و"النشر" لابن الجزري 2/ 390، و"إتحاف فضلاء البشر" للبنا: 423، و"البدور الزاهرة" لعبد الفتاح القاضي 324.]]. وروي عن ابن كثير: ﴿وَلَا يُسْأَلُ﴾ بضم الياء [[انظر مواضع قراءته في المراجع السابقة.]]، والمعنى: لا يُسأل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه، والقريب عن قريبه، وهذا أيضًا على حذف الجار) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الفارسي باختصار. انظر: "الحجة" 6/ 320 - 321.]]. وقال الفراء: أي لا يقال لحميم: أين حميمك؟ قال: ولست أشتهي ضم الياء؛ لأنه مخالف للتفسير، ولما أجمع عليه القراء [["معاني القرآن" 3/ 184 نقله عنه الواحدي بتصرف يسير.]]. قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ (يقال: بصرت به أبصر، قال الله تعالى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: 96]. وتقول: بصَّرني زيدٌ كذا، فإذا بنيت الفعل للمفعول به، وقد حذفت الجار قلت: بُصِّرتُ [زيدٌ] [[في النسختين: زيدًا، وأثبت ما جاء في الحجة لصوابه.]]، فعلى هذا ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾، وإنما جمع فقيل: (يبصَّرونهم) لأن الحميم [[بياض في: (ع).]]، وإنس كان مفردًا في اللفظ، فالمراد به الكثرة والجمع، يدلك على [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الفارسي بتصرف. "الحجة" 6/ 320. وهذا القول في بيان صحة جواز حذف الجار، ثم وصل الفعل بالاسم الذي كان مجرورًا قبل حذف الجار، فينتصب لأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل الممني للمفعول به.]] ذلك قوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101)﴾ [الشعراء: 100 - 101]. ومعنى: (يبصرونهم): يعرفونهم، ويرونهم، أي: يعرف الحميم الحميم حتى يعرفه [[بياض في: (ع).]]، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه (هذا معنى قول المفسرين) [[ما بين القوسين ساقط من (أ). وممن قال بذلك: قتادة، وابن عباس. انظر: "جامع البيان" 29/ 73 - 74، وعزاه فقط إلى ابن عباس في: "معالم التنزيل" 4/ 393، و"المحرر الوجيز" 5/ 366، و"زاد المسير" 8/ 91.]]. قال مقاتل: يعني يعرفونهم فلا يكلمونهم [["تفسير مقاتل" 209/ أ.]]. قالوا [[لعله عني بذلك الثعلبي، لأن ما ساقه ورد بنصه عنه كما في: "الكشف والبيان" 12/ 183/ أ، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 393، و"لباب التأويل" 4/ 309.]]: (وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صَاحبه من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته، ولا يسأله، ويبصر الرجل حميمه فلا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم) [[ما بين القوسين أورده الثعلبي بنصه في: الكشف والبيان. انظر: الحاشية السابقة.]]. وتمام الكلام الأول عند قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [[وهو أيضًا تام عند أبي حاتم، وحسن عند الأشموني. انظر: "القطع والائتناف" للنحاس: 2/ 760، و"المكتفى في الوقف والابتداء" للداني: 586، و"منار الهدى في بيان الوقف والابتداء" للأشموني: 404.]]، وهذا يدل على صحة قراءة العامة، ومعنى القراءة الثانية لا تتصل بقوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ قال المفسرون: يعني المشرك الكافر [[قال بذلك: ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وقال ابن عطية: المراد في هذه الآية الكافر؛ بدليل شدة الوعد، وابن الجوزي، والفخر، والقرطبي، والخازن. وذكر الفخر قولًا آخر، وهو: أن الآية تتناول كل مذنب. انظر: "جامع البيان" 29/ 75، و"الكشف والبيان" 12/ 183/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 393، و"المحرر الوجيز" 5/ 367، و"زاد المسير" 8/ 91، و"التفسير الكبير" 30/ 126، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 286، و"لباب التأويل" 4/ 309.]]. قوله: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ فصيلة الرجل: رَهْطُه الأدْنَوْن [[بياض في: (ع).]]، وكان يقال للعباس: فصيلة النبي -ﷺ-. قاله أبو عبيد [["تهذيب اللغة" 12/ 192 فصل، وانظر قوله أيضًا في: "التفسير الكبير" 3/ 127.]]. وقال الليث: الفصيلة: فَخِذ الرجل [[بياض في: (ع).]] من قومه الذي هو منهم [[المرجع السابق.]]. وقال أبو عبيدة، [["مجاز القرآن" 2/ 269، وعبارته فيه: "دون القبيلة، الشعوب أكثر من القبائل، ثم الفصيلة فخذ الرجل التي تؤويه".]] والمبرد [[الجامع لأحكام القرآن بمعناه: 18/ 286.]]: الفصيلة دون القبيلة في النسب، أي أقرب وأخص من القبيلة. وقال رؤبة: والناسُ إن فَصَّلْتُهُمْ فصائلا [[ورد البيت في: "ديوانه" 122، وفي "الكامل" 3/ 1092.]] كلٌّ إلينا يَبْتَغي الوَسائِلا وقال أبو العباس: الفصيلة: القِطْعة من أعضاء الجسد [[في (ع). الرجل، وكتبت في الهامش: (الجسد) من النسخة نفسها.]]، وهي دون القبيلة [["تهذيب اللغة" 12/ 192 مادة: (فصل).]]. وعشيرة الرجل سميت فصيلة تشبيهًا بالبعض منه. قال ابن عباس: يريد عشيرته وأقاربه التي ينتهي إليه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال مقاتل: يعني فخذه الأدنى يأوي إليهم [["تفسير مقاتل" 209/ أ.]]. يقول الله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ بهذه الأشياء ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ذلك الفداء. ﴿كَلَّا﴾ لا ينجيه ذلك، ولو افتدى به كله. ثم استأنف فقال: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ (ولظى من أسماء النار نعوذ بالله منها، وهي معرفة لا تنصرف؛ فلذلك لا تنون. وقال الليث: اللظى: اللهب الخالص [[تهذيب اللغة: 14/ 395، (لظى)، وانظر: "لسان العرب" 15/ 248، (لظى).]]، ويقال: لَظيت النارُ، تلظى لظًى [[في (ع): لظًا.]]، وتلظت [[في (أ): تلظيت.]] تلظياً، ومنه قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: 14]) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري في "تهذيب اللغة" بتصرف يسير.]]. وقوله: ﴿نَزَّاعَةً﴾ مرفوعة [[قرأ بالرفع في: ﴿نَزَّاعَةً﴾ عامة القراء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وجعفر، ويعقوب، وخلف. انظر: "الحجة" 6/ 319، و"المبسوط" 381، و"التبصرة" لمكي 708، و"إتحاف فضلاء البشر" 424.]] على وجوه: أحدها: أن تجعل (الهاء) في (إنها) عماداً [[أي: ضميرًا منفصلًا، ولفظ "العماد" من اصطلاحات الكوفيين، وسموه بذلك لأنه يعتمد عليه في الفائدة، إذ به يتبين أن الثاني خبر لا تابع، وبعض الكوفيين يسميه: دعامة؛ لأنه يدعم به الكلام، أي: يُقَوَّى ويُؤَكَّدُ. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 341.]]، وتجعل (لظى) اسم (إن)، و (نزاعة [[بياض في: (ع).]]) خبر (إن)، كأنه قيل: إن لظى نزاعة. والآخر: أن تجعل [[في (أ): يجعل.]] (الهاء) ضميراً للقصة، وهو الذي يسميه الكوفيون: المجهول، وتكون "لظى"، و (نزاعة) خبراً لـ (إن)، كما تقول: حُلْوٌ حامِضٌ تريد أنه قد جمع الطعمين. والمعنى: أن القصة والخبر لظى نزاعة [[من قوله: "وهو الذي يسميه الكوفيون" إلى: "والخبر لظى" مكرر في نسخة: (ع، و) أحدهما في غير موضعه الصحيح، وهو خطأ من الناسخ.]] للشوى. والوجه الثالث: أن يرفع على الذم بإضمار (هي) على معنى: هي نزاعة [[بياض في: (ع).]]. وهذا قول الأخفش [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 185، نقله الواحدي بالمعنى، ولم يذكر الفراء إلا وجهين فقط.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 221، ونقل الإمام الواحدي أغلب النص عنه.]]. ومن قرأ (نزاعةً) بالنصب [[ممن قرأ بالنصب في: "نزاعة": حفص عن عاصم. انظر: الحجة: 6/ 319، كتاب التبصرة: 708، و"إتحاف فضلاء البشر": 424.]]، قال أبو إسحاق: أما نصب (نَزَّاعة) فعلى أنها حال مؤكدة، كما قال: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: 91]، وكما تقول: أنا زيدٌ معروفاً؛ قال [[أي: أبو إسحاق الزجاج.]]: ويجوز أن يُنصب على معنى: أنها تتلظى نزاعة للشوى [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 221 بنصه.]]. قال أبو علي: (حمله على الحال يبعد، وذلك لأنه ليس في الكلام ما يَعمل في الحال، فإن قلت: في قوله: (لظى) معنى (على) [[ساقط من: (ع).]] التلظي، والتلهب، فإن ذلك لا يستقيم؛ لأن لظى معرفة لا تنتصب عنها الأحوال، ألا ترى أن ما استعمل استعمال الأسماء من اسم فاعل، أو مصدر لم يعمل عمل الفعل نحو: صاحب، ودَرٍّ [[الدر: العمل من خير وشر، ومنه قولهم: لله دَرُّك، يكون مدحًا، ويكون ذمًّا. انظر "تهذيب اللغة" 14/ 61، مادة: (درر).]] في قولك: لله دَرُّك، فإن لم يعمل هذا النحو الذي هو اسمُ فاعل، أو مصدر عمل الفعل من حيث جرى مجرى الأسماء، فأن لا يعمل الاسم المعرفة عمله أولى. ويدلك على تعرف هذا الاسم وكونه علماً أن التنوين لم تلحقه، فإذا كان كذلك لم تنتصب الحال عنه، فإن جعلتها مع تعريفها قد صارت معروفة بشدة التلظي، جاز أن تنصبه بهذا المعنى الحادثِ في العَلَم، وإن علّقت (نزاعة) بفعل مضمر نحو: أعنيها نزاعة للشوى لم يمتنع) [[ما بين القوسين من قول أبي علي؛ نقله عنه باختصار. "الحجة" 6/ 319 - 320.]]. والشوى: الأطراف، وهي: اليدان [[بياض في: (ع).]]، والرجلان، ومنه قول امرئ القيس: سليم الشظى [[في (ع): (الشظا).]] عَبْلِ الشَّوَى شَنِجِ النَّسا [[في (ع): (شيخ النسا وعبل الشوى) تقديم وتأخير.]] [[هذا صدر بيت، وعجزه: لَه حَجَبَاتٌ مُشرِفاتٌ على الفالي وقد ورد البيت في: "ديوانه" 143، دار صادر، و"الأضداد" لابن الأنباري: 230، و"الكشف والبيان" 12: 184/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 289. ومعناه: الشظى: عظم لاصق بالذراع. الشوى: اليدان والرجلان، الشنج: الصلب، النسا: عرق في الفخذ، الحجبات: رؤوس عظام الوركين. الفالي: اللحم الذي على الورك، وأصله الفائل. كما ورد الشطر الأول من البيت منسوبًا لدريد بن الصمة في شعر يرثي به عبد الله أخاه، وقد قتلته بنو عبس، قال: == سَليم الشَّظَى عَبْلِ الشَّوى شنجِ النسا ... طويلِ القَرا نهْدٍ أسيلِ المُقَلَّدِ انظر: "ديوان دريد بن الصمة": 51.]] ومن هذا يقال للرامي إذا لم يصب القتل: أشوى، أي أصاب الشوى، والشوى ليس بمقتل، والشوى أيضًا جلد الرأس، واحدتها شواة. ومنه قول الأعشى: قالتْ قُتَيْلَةُ ما لَه ... قدجُلِّلَتْ شَيْباً شَواتُه [[ورد البيت في "ديوانه" 138، وانظر: مادة: (شوى) من غير نسبة في "تهذيب اللغة" 11/ 442، و"الصحاح" 6/ 2399، و"لسان العرب" 14/ 447، و"تاج العروس" 10/ 204، كتاب "الأضداد" لابن الأنباري 230، و"مجاز القرآن" 2/ 268، و"جامع البيان" 29/ 76، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 320، و"النكت والعيون" 6/ 93، و"المحرر الوجيز" 5/ 365، و"التفسير الكبير" 30/ 128، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 288، و"إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 2/ 390، و"البحر المحيط" 8/ 330، و"الدر المصون" 6/ 377، و"فتح القدير" 5/ 290، و"روح المعاني" 29/ 60.]] (هذا قول جميع أهل اللغة [[انظر: الفراء في "معاني القرآن" 3/ 185، أبو عبيدة في: "مجاز القرآن" 2/ 268، الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 221، وانظر أيضًا: كتاب حروف الممدود والمقصور: لابن السكيت؛ تح د. حسن فرهود: 117، و"تهذيب اللغة"، و"الصحاح"، و"لسان العرب"، و"تاج العروس" مراجع سابقة.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]. قال مقاتل: تنزع النار الهامة [[بياض في: (ع).]] والأطراف، فلا تترك لحمًا ولا جلدًا إلا أحرقته [["تفسير مقاتل" 209/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 394، و"بحر العلوم" 3/ 404.]]. وأكثر المفسرين [[قال بذلك: قتادة، وأبو صالح. انظر: "بحر العلوم" 3/ 403، و"النكت" 6/ 93، و"القرطبي" 8/ 289، و"الدر المنثور" 8/ 282، وعزاه إلى ابن المنذر عن أبي صالح، و"فتح القدير" 5/ 290. وبه قال الفراء في "معاني القرآن" 3/ 185، والزجاج في "معاني القرآن" 5/ 221، وأبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 268، وإليه ذهب الطبري في "جامع البيان" 29/ 76، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 394.]] على أنها: الأطراف، (وهو قول مجاهد [["الدر المنثور" 8/ 282، وعزاه إلى ابن أبي شيبة.]] [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]). وقال سعيد بن جبير: للعصب والعقب [["الكشف والبيان" 12/ 183/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 394، و"زاد المسير" 8/ 92، و"التفسير الكبير" 30/ 128. ومعنى العَصَب -بفتحتين-: أطناب المفاصل التي تُلائم بينها وتشدها. انظر: "لسان العرب" 1/ 602 (عصب)، و"المصباح المنير" 2/ 492. والعقب -أيضًا بفتحتين-: أطناب المفاصل، وبكسر القاف: مؤخر القدم، والمراد هنا المعنى الأول. انظر: "المصباح المنير" 2/ 500، (عقب).]]. وقال أبو إسحاق: لحم [[في (ع): للحم.]] الساقين [[بياض في (ع). ولم أعثر على مصدر لقول أبي إسحاق.]]. وقال ثابت البناني: لمكارم وجه بني آدم [["الكشف والبيان" 12/ 183/ ب، و"التفسير الكبير" 3/ 128، و"الدر المنثور" 8/ 282، وعزاه إلى ابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 290.]]. قوله تعالى: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17)﴾ قال ابن عباس: تدعو [[في كلا النسختين: تدعوا.]] من أدبر عن الإسلام، ودعاؤها أن تقول: إليَّ يا مشرك، إليَّ يا كافر، إليَّ يا منافق، إليَّ يا فاسق، إليَّ يا ظالم [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في "فتح القدير" 5/ 290.]]. وقال مقاتل: تدعو [[بياض في: (ع).]] النار يوم القيامة: إليَّ أهلي، إليَّ أهلي [["تفسير مقاتل" 209/ أ.]]. فهذا دعاؤها، وهذا قول المفسرين؛ قالوا: تدعُو من أدبر عن الحق باسمه [[وهو قول ابن عباس. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 184/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 394، و"المحرر الوجيز" 5/ 365، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 289، و"لباب التأويل" 4/ 309. وقال به الفراء في: "معاني القرآن" 3/ 185، والزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 221 - 222.]]. وقال المبرد: تدعو معناه بعذاب [[و [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]] لم أعثر على مصدر لقوله.]]. روى عمرو عن أبيه: الداعي المعذب دعاه الله، أي: عذبه (¬5). (قوله تعالى) [[عني بقوله: قالوا: أي أهل التفسير، وممن قال بذلك: مجاهد كما في: "جامع البيان" 29/ 78، وعبارته: "جمع المال". وقال بذلك أيضًا: الثعلبي في: "الكشف" 12: 184/ أ، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 94، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 394، وبمعناه قال الفخر في: "التفسير الكبير" 30/ 138، وقد حكاه القرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 18/ 289، وابن كثير في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 449. ومعنى أوعى لغة: يقال: أوعيت الزاد والمتاع: إذا جعلته في الوعاء. انظر: "الصحاح" 6/ 2525 مادة: (وعى). وقال ابن فارس: "الواو والعين والياء: كلمة تدل على ضم الشيء". "معجم مقاييس اللغة": 6/ 124 مادة: (وعى).]]: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18)﴾ قالوا: جمع المال، فأمسكه ولم ينفقه في طاعة الله (¬7). ومعنى أوعى: جعله في وعاء، فلم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما. (قوله تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]: ﴿الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19)﴾ يقال: هلع الرجل، يهْلَع هَلَعًا وهلاعًا، فهو هالِع وهلُوع، وهو شدة الحرْص، وقلة الصبر، يقال: جَاعَ فهلع، وأصيب فهلع، أي قلّ صبرُه. قال عمرو بن مَعْديكرب: ما إن جزِعْتُ ولا هَلَعْـ ... ـتُ ولا يرد بكاي [[في (أ): بكا.]] زَنْدا [[ورد البيت في: "شعر عمرو بن معدي كرب الزبيدي"، جمع مطاع الطرابيشي: 65. ومعنى البيت: الهلع: أفحش أنواع الجزع؛ لأنه جزع مع قلة الصبر، فكأنه قال: ما جزعت عليه حزنًا هينًا ولا فظيعًا، وهذا نفي للحزن رأسًا. وقوله: ولا يرد بكاي زندا: يستعملون الزَّنْد في معنى القلة، كما يستعملون الفُوف والنقير والقطمير. انظر: شعر عمرو بن معدي كرب: المرجع السابق (الحاشية).]] هذا قول جماعة [[في (ع): جميع.]] أهل اللغة [[انظر مادة (هلع) في "تهذيب اللغة" 1/ 144، و"الصحاح" 3/ 1308، و"لسان العرب" 8/ 374 - 375، و"تاج العروس" 5/ 560.]]. وقال الفراء: الهلوع: الضجور [[غير واضحة في (ع).]] [[ورد قول الفراء في: "معاني القرآن" 3/ 185 بنصه.]]. وقال المبرد: الهلع، والجزع: يقال [[في (أ): تقول.]]: نعوذ بالله من الهَلَع عند منازلة الأقران [[غير واضحة في: (ع).]] [[ورد قول المبرد في: "الكامل" 3/ 1092، ونقله الواحدي عنه بتصرف. ويراد بالأقران، ومفرده القِرْن -بالكسر-: الكُفْءُ، والنظير. انظر: "لسان العرب" 13/ 337، (قرن).]]. وأكثر المفسرين [[وهو قول ابن عباس، انظر: "جامع البيان" 29/ 78، و"النكت والعيون" 6/ 94، و"زاد المسير" 8/ 92، و"الدر المنثور" 8/ 283، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وبه قال أيضًا: ابن كثير 4/ 449.]] وأهل اللغة [[وبه قال الفراء، وأبو عبيدة، والزجاج. انظر: "معاني القرآن" 3/ 185، و"مجاز القرآن" 2/ 270، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 222.]] قالوا: تفسير الهلوع: (قوله تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)﴾، وهو الحريص الجازع. وألفاظ المفسرين في هذه قريبة المعنى؛ بعضها من بعض، قالوا: هو الجزع، الضجور، الشره، في ألفاظ كثيرة تعود إلى هذا المعنى [[والأقوال التي جاءت في تفسير: "الهلوع" عدها الماوردي سبعة أوجه: منها ما جاء عن ابن عباس. انظر: الحاشية السابقة. والآخر: الحريص على ما لا يحل له. وهو قول ابن عباس أيضًا. انظر: "الكشف والبيان" 12: 184/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 394، و"زاد المسير" 8/ 93، و"لباب التأويل" 4/ 309. والثالث: الجزوع. قاله ابن زيد، وقتادة. انظر: "تفسير القرآن": لعبد الرزاق: 2/ 317 معزوًا إلى قتادة فقط، جامع البيان، و"الكشف والبيان" مرجعان سابقان، و"الدر المنثور" 8/ 284، وعزاه إلى ابن المنذر، وعبد الرزاق عن قتادة، وإليه ذهب اليزيدي، ومكي بن أبي طالب. انظر: "غريب القرآن وتفسيره" 389، و"تفسير المشكل من غريب القرآن العظيم": 356. والرابع: البخيل. قاله الحسن، == والضحاك. انظر: "زاد المسير" 8/ 93. والخامس: الشره. قاله مجاهد، وابن عباس. المرجع السابق، و"الدر المنثور" 8/ 284، وعزاه إلى ابن المنذر عن ابن عباس. والسادس: الضجور: قاله عكرمة، وقتادة، ومقاتل. انظر المرجع السابق، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 290، وإليه ذهب السجستاني في "نزهة القلوب في تفسير غريب القرآن العظيم" 477. والسابع: الشحيح الجزوع. قاله سعيد بن جبير. انظر: "الكشف والبيان" 12: 184/ ب، و"الدر المنثور" 8/ 283، وعزاه إلى ابن المنذر.]]. ثم نعته فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20)﴾. يعني البؤس والفقر. ﴿جَزُوعًا﴾ لا يصبر، ولا يحتسب. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾ إذا أصاب المال. (منوعا) يمنعه من حقوق الله.