الباحث القرآني

قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا﴾ الآية. قال الكلبي، ومقاتل: اتبع الفقراء والسفلة الرؤساء [["تفسير مقاتل" 210/ ب.]] والكبراء الذين لم يزدهم كثرة المال إلا ضلالاً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، وهو قوله: ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، وقرئ: (ووُلدُهُ) -بضم الواو [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف بضم الواو الثانية، وإسكان اللام: "ووُلْدُهُ"، والباقون بفتح الواو واللام: "ووَلَدُهُ". انظر: "القراءات وعلل النحويين" 2/ 717، و"الحجة" 6/ 325، و"المبسوط" 385، و"البدور الزاهرة" 326، و"المهذب في القراءات" لعبد الفتاح القاضي 2/ 306.]] -، وقد ذكرنا في آخر سورة مريم [[سورة مريم: 77: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)﴾.]]: (أن الوُلد بالضم لغة في الولد، ويجوز أن يكون جمعًا، إما جمع وَلَدٍ، وإما جمع وُلْدٍ كالفُلْك، وهاهنا يجوز أن يكون واحدًا وجمعًا) [[ما بين القوسين نقله عن أبي علي بتصرف: الحجة: 6/ 325 - 326.]]. قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)﴾ يعني الرؤساء قتلوا السفلة [[السُّفْل، والسِّفْلُ، والسُّفُول، والسَّفال، والسَّفالة بالضم: نقيض العُلْوِ، والعِلْوِ، والعُلُوِّ، والعَلاءِ، والعَلاوَةِ. والسَّفِلة: السُّقاط من الناس، ويقال: السِّفْلة. انظر: "الصحاح" 5/ 1730، مادة: (سفل)، وتهذيب اللغة: 12/ 430، (سفل).]] عن الإيمان شرح، وقالوا لهم: (لا تذرنَّ) الآية. وهذا كان مكرهم [[المكر له خمسة أوجه: فوجه منها: المكر: تكذيب الأنبياء، الثاني: المكر: فعل الشرك، الثالث: المكر بالقول، الرابع: المكر: إرادة القول، الخامس: المكر: الحيلة. انظر: قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه والنظائر في القرآن الكريم: للدامغاني: 439 - 440.]]. قاله مقاتل، قال: والمعنى: قالوا قولاً عظيمًا، وقولهم العظيم أنهم قالوا: لا تذرنَّ عبادة ودّ [[ودّ: صنم كان لقوم نوح عليه السلام، ثم صار لكلاب. "الصحاح" 2/ 549 (ود). وفي الموسوعة الميسرة: 2/ 1946: "ود: اسم إله القمر في الديانة المعينية القديمة في اليمن، ومعناه: الحب، وورد اسمه في النقوش المعينية، والسبئية، وقد أقيمت باسمه بعض المعابد في بلاد الجوف باليمن".]] [[ورد معنى قوله في: "تفسير مقاتل" 210/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 104، == و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 307، و"فتح القدير" 5/ 300، والعبارة عنه في جميعهم: هو قول كبرائهم لأتباعهم: "وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًّا ولا سواعًا" الآية.]]. ونحو هذا قال الكلبي [[ورد معنى قوله في: "النكت والعيون" 6/ 103، و"القرطبي" 18/ 307، و"فتح القدير" 5/ 300، والعبارة عنه في كليهما: "هو ما جعلوه لله من الصاحب والولد".]] وغيره [[وهو قول الضحاك، قال: افتروا على الله وكذبوا، وكذبوا رسوله. وبمعنى هذا قال ابن عباس: قالوا قولًا عظيمًا، وكذا الحسن، قال: مكروا في دين الله وأهله مكرًا عظيمًا. انظر: "الكشف والبيان" 12/ 189/ ب، و"البغوي" 4/ 399.]]، إلا أنهم جعلوا ذلك القول [[في (أ): الفوز.]] العظيم الافتراء على الله، وتكذيب رسوله. (والكُبَّار [[قال ابن فارس: "كبر: الكاف والباء والراء أصل صحيح يدل على خِلاف الصِّغَر، يقال: هو كبير، وكُبار، وكُبَّار، والكِبْر: مُعْظم الأمر". "معجم مقاييس اللغة": 5/ 153 (كبر). وفي "الصحاح" "كَبُرَ -بالضم- يَكْبُر أي عَظُم فهو كبير، وكُبَار، فإذا أفرط قيل: كُبَّار -بالتشديد- ". 2/ 801 (كبر).]]: مبالغة من الكبير [[في (أ): الكبر.]]، يقال: كبير [[في (أ): كبر.]]، وكُبَارٌ، وكُبَّارٌ، وجميل، وجَمال، وجُمَّالٌ، وعظيم، وعَظام، وعِظَّام في أشباه [[غير مقروءة في: (ع).]] كثيرة [[وأشباهه نحو: كثير وكُثَّار، وقليل وقُلّال، وجسيم وجُسَّام، وزحير وزُحَّار، وأنين وأنان. انظر: "إصلاح المنطق" 109.]] " [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الفراء بتصرف. انظر: "معاني القرآن" 3/ 189.]]، لهذا تم ذكر ما قالت الكبراء للسفلة، وهو قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أي عبادتها. (ولا تذرن وَدًا (ولا سواعًا) [[ساقطة من: (ع).]] " إلى قوله: ﴿وَنَسْرًا﴾ (روى السُّدِّيُّ عن) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] أبي مالك قال: هذه أسماء آلهتهم [[لم أعثر على مصدر لقول السدي.]]. وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 210/ ب.]]، والجميع [[وهو قول: قتادة، وابن عباس، والضحاك، وابن زيد، وعكرمة، وابن إسحاق، وأبي عثمان. انظر: "جامع البيان" 29/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 455، و"الدر المنثور" 8/ 293 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، وابن المنذر. وبه قال الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 230، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 12: 190/ ب، وابن عطية في: "المحرر الوجيز" 5/ 375، وابن كثير في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 454.]]. قال قتادة: ثم عبدتها العرب بعد ذلك [[بياض في: (ع).]]، وكان (ودٌّ) لكلب [[كلب بن وبرة: بطن من قُضاعة، من القحطانية، وهم: بنو كلب بن وبرة، وكانوا ينزلون دُومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، ونزل خلق عظيم منهم على خليج القسطنطينية، ومن أمكنتهم: عُقدة الجوف، الشرية، ومن أوديتهم: قُراقر، ومن مياههم: عُراعر، وقد اتخذوا في الجاهلية بدومة الجندل صنمًا يدعى: "ودًّا"، ودخلوا في دين النصرانية، ثم في الإسلام. انظر: "معجم قبائل العرب القديمة والحديثة" لعمر رضا كحالة: 3/ 991، و"نهاية الأرب" للقلقشندي: 365: ت: 1491.]] بدومة الجنْدَل [[دُومَة الجندل -بضم أوله وفتحه-: وسميت دومة الجندل لأن حصنها مبني بالجندل، ودومة الجندل: حصن وقرى بين الشام والمدينة، قرب جبل طيئ، كانت به بنو كتانة من كلب. افتتحها خالد بن الوليد -رضي الله عنه- سنة 9 هـ، وقال الشيخ == حمد الجاسر: "هي مدينة كانت قاعدة إمارة الجوف، ثم نقلت القاعدة إلى سكاكة". انظر: "معجم البلدان" 2/ 487، و"معجم ما استعجم" للبكري: 2/ 546، و"المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية" لحمد الجاسر: 1/ 588.]]، وكان "سُواعٌ [[سواع: اسم صنم عُبد زمن نوح عليه السلام فغرقه الله أيام الطوفان ودفنه، فاستثاره إبليس لأهل الجاهلية، فعبدوه. تهذيب اللغة: 3/ 89، مادة: (سوع).]] ") لهُذَيْل [[هذيل: هم بنو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، كانت ديارهم بالسروات، وسراتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف، وكان لهم أماكن ومياه في أسفلها من جهات نجد، وتهامة بين مكة والمدينة، ثم تفرقوا بعد الإسلام، وهم بطنان: سعد بن هذيل، ولحيان بن هذيل. من منازلهم وديارهم: عُرنة، عَرفة، بطن نُعمان. ومن جبالهم: مَكان المشعر، فَحل، عَماية. ومن أوديتهم: نخاة، الشامية، سعيا، حَلبة. ومن مياههم: المجاز، الرجيع، بئر معونة. ومن أيامهم: يوم خشاش، ووقعة الجُرف. وكانوا يعبدون مَناة بين مكة والمدينة، وصنم سعد، وصنمًا كان برهاط يحجون إليه، وقد هدمه عمرو بن العاص رضي الله عنه سنة 58. انظر: معجم قبائل العرب القديمة والحديثة: لعمر رضا كحالة: 3/ 1213، وانظر: نهاية الأرب: 387: ت: 1611.]]، وكان "يغُوثُ [[يغوث: صنم كان لمَذْحِج. "لسان العرب" 2/ 175، مادة: (غوث).]] " لبني غُطَيْف [[بياض في: (ع).]] من مراد [[بنو غطيف: بطن من مراد من كهلان القحطانية، وهم بنو غطيف بن عبد الله بن ناجية بن مراد. قال أبو عبيد: ويقال: إنهم من الأزد، ومنهم فروة بن مسيك، وقد على النبي -ﷺ-. انظر: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب: 348: ت: 1423، معجم قبائل العرب القديمة والحديثة: لكحالة: 3/ 889.]]. وكان (يعوق [[يعوق: صنم كان لقوم نوح عليه السلام. "الصحاح" 4/ 1534، مادة: (عوق).]]) لهمدان [[همْدان: بطن من كهلان، من القحطانية، وهم: بنو همدان بن مالك بن زيد بن == أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان، لهم أفخاذ متسعة، منهم: المحايل، سبع، يام، موهبة، أرحب، وبنو الزريع. ديارهم: كانت ديارهم باليمن من شرقيه، ولما جاء الإسلام تفرق قوم منهم، وبقي قوم منهم باليمن، فنزلوا الكوفة، ومصر، فمن بلادهم باليمن: نجران، غُرق، شروم، الخنق. ومن قصورهم: ناعط. تاريخهم: من أيامهم يوم الرَّزْم، كان لهمْدان على مُراد قبيل الإسلام، وأغار عليهم توبة بن الحمير في محل يدعى الجرف. أصنامهم: سُواع، ويعوق. انظر: معجم قبائل العرب: 3/ 1225.]]، وكان (نَسْر [[نَسْر: صنم كان لذي الكلاع بأرض حمير. "لسان العرب" 5/ 206، مادة: (نسر).]]) لذي الكلاع [[بياض في (ع). وذو الكلاع: بطن يعرف بذي الكلاع من حمير القحطانية، وهم بنو شرحبيل بن حمير، كانوا يقطنون بمخلاف السَّحول بن سوادة. انظر: معجم قبائل العرب: 3/ 990.]] من حمير [[ورد قول قتادة في: "جامع البيان" 29/ 99، و"الكشف والبيان" 12: 190/ ب، فتح الباري: 8/ 668 بمعناه.]] [[حِمْيَر: بطن عظيم من القحطانية، ينتسب إلى حمير بن سبأ بن يَشْجُب بن يعرب بن فحطان، وسام حمير: العَرَنج، وحمير في قحطان ثلاثة: الأكبر، والأصغر، والأدنى. ومن بلاد حمير في اليمن: شِبام، وذمار، ورمغ. ومن حصونها: مُدَع. وسكن قسم من حمير الحيرة، ومن أيام حمير: يوم البيداء، وهو من أقدم أيام العرب، وكان بين حمير وكلب. وأما أديان حمير: فانتشرت اليهودية فيهم، وكانوا يعبدون الشمس، وكان لحمير بيت بصنعاء يقال له: رئام يعظمونه، ويتقربون عنده بالذبائح. انظر: معجم قبائل العرب: 1/ 306.]]. وهذا قول ابن عباس [[ورد قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 320، و"جامع البيان" 29/ 99، و"المحرر الوجيز" 5/ 376، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 307، و"لباب التأويل" 4/ 314، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 454، و"الدر المنثور" 8/ 293 وعزاه إلى البخاري، وابن المنذر، وابن مردويه، و"فتح القدير" 5/ 300. وأخرجه البخاري 3/ 316، == ح: 4920، كتاب التفسير، باب: 71، سورة نوح بمعنى رواية قتادة إلا أنه ذكر أن يغوث كانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وتتمة الرواية عند ابن عباس: "أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى هلك أولئك، ولنسخ العلم عُبدت". وأخرجه ابن الأثير في: جامع الأصول: 2/ 413، ح: 860 قلت: وما أخرجه البخاري من رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وقع فيه كلام من المزي مقتضاه أن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس، وعليه فالحديث منقطع، ولهذا كان مأخذًا على البخاري؛ إلا أن ابن حجر كان له توجيه، وهو أنه احتمال أن العطائين: ابن رباح، والخراساني، قد رويا الحديث، ولذا أخرجه البخاري. والكلام في هذا الأمر تفصيله في فتح الباري: 8/ 667، و"تهذيب الكمال" 20/ 115.]] في رواية عطاء (الخراساني) [[ساقطة من: (أ).]]، وروى عنه الكلبي أن هذه الأصنام دفنها الطوفان أيام الغرق، وطمها التراب، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب [[بياض في: (ع).]] [[ورد قول ابن عباس من غير ذكر طريق الكلبي إليه في: "الكشف والبيان" 12: 190/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 400، وورد معنى قوله عن مقاتل في "زاد المسير" 8/ 100.]]. وقال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين بين آدم ونوح [[بياض في: (ع).]]، فنشأ قوم بعدهم، (فأخذوا بأخذهم في العبادة، فقال إبليس: لو صورتم صورهم كان أشوق لكم إلى العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، فجاء إليهم إبليس فقال: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم [[ورد معنى قوله في: "الكشف والبيان" 12/ 189/ ب، وما بعدها، وبنصه في: "معالم التنزيل" 4/ 399، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 308، و"لباب التأويل" 4/ 314، و"الدر المنثور" 8/ 294 وعزاه إلى عبد بن حميد، وفي معناه عزاه إلى أبي الشيخ في العظمة، و"فتح القدير" 5/ 300.]].هذا كلامه [[في (أ): كلامهم.]]. وابتداء عبادة [[غير مقروء لبياض في: (ع).]] الأوثان من ذلك الوقت، وسميت تلك الأصنام [[بياض في: (ع).]] بهذه الأسماء؛ لأنهم صوَّروها على صورة أولئك القوم المسمين بهذه الأسماء [[قال بذلك أيضًا ابن حجر في فتح الباري: 8/ 669.]]. (وفي (ود) قراءتان: فتح الواو [[قرأ عامة القراء بفتح الواو (وَدًّا) عدا نافع. انظر: "السبعة" 653، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 716، و"الحجة" 6/ 327، و"التبصرة" 709، و"تحبير التيسير" 193، و"الوافي" 373.]]، وضمها [[قرأ نافع وحده: "وُدًّا" بضم الواو. انظر: المراجع السابقة.]]، والفتح أعرف في اسم صنم قوم نوح. حكاه (أبو عبيدة) [[في كلا النسختين: (أبو عبيد)، ولعل الصواب، (أبو عبيدة) كما جاء في الحجة: 6/ 327؛ إذ النص منقول عن الحجة. وانظر أيضًا: "مجاز القرآن" 2/ 271.]] بالفتح، وقول الشاعر [[الشاعر هو الحطيئة: جرول بن أوس من بني قُطيفة بن عبس.]]: فَحَيَّاكِ وَدٌّ مَنْ هَدَاكِ لفِتْيَةٍ ... وخُوصٍ بأعلى ذي نُضالَةَ هُجَّدِ [[مواضع ورود البيت منسوبًا للحطيئة: "ديوانه" 47 المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، وانظر مادة: (هجد) في "تهذب اللغة" 6/ 36، و"لسان == العرب" 3/ 431، و"تاج العروس" 2/ 543، وجميعها برواية: "ذي طوالة". وانظر أيضًا: "الغريب المصنف" لأبي عبيد: 2/ 400 برواية: "وهداك"، و"المحرر الوجيز" 5/ 376 برواية: "فضالة"، و"الحجة": 6/ 328.]] ينشد بالفتح. قال الأخفش: وعسى أن يكون (الضم) لغة في اسم الصنم، قال: وسمعت هذا البيت: حَيّاك وُدٌّ فإنّا لا يَحِلُّ لَنا ... لَهْوُ النّساءِ وإنَّ الدِّينَ قد عَزَما [[البيت للشاعر النابغة الذبياني، وقد ورد البيت في: "ديوانه" 101 ط دار بيروت برواية: "حياك ربي"، كما ورد غير منسوب في: "المحرر الوجيز" 5/ 376، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 309، و"البحر المحيط" 8/ 342، و"فتح القدير" 5/ 301، برواية: "غربًا" بدلاً، من: "عزمًا"، و"الدر المصون" 6/ 385. الدين هنا: الحج، عزم: أي عزمنا عليه، وهو من باب القلب. انظر: "ديوانه".]] بضم الواو) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي من الحجة: 6/ 327 - 328 بتصرف.]]. وقال الليث: الوَد كان لقوم نوح، وكان لقريش صنم يدعونه وُداً، وبه سمي عمرو بن عبد وُدٍّ [[تهذيب اللغة: 14/ 235 بتصرف يسير جدًا.]]. وعلى هذا فلعل من قرأ بالضم غلط، فظن صنم قوم نوح صنم قريش، وأبو عبيد يختار الفتح، وإنما يقال: (ود) اسم صنم، ألا تراهم كانوا يتسمون بـ: (عبد ود) [[لم أعثر على مصدر قول أبي عبيد.]]؟. قوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾، من المفسرين من يجعل الإضلال من فعل كبرائهم، وهو الظاهر لقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ﴾. قال مقاتل: أضل كبراؤهم كثيرًا من الناس [["تفسير مقاتل" 210/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 400.]]. ومنهم من يجعل الإضلال للأصنام، ويكون المعنى: قد أضل [[في (ع): ضل.]] بسببها كثيرًا من الناس، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ (النَّاسِ) [[ساقطة من: (أ).]]﴾ [إبراهيم: 36]، وأجرى الأصنام في هذه الآية على هذا القول مجرى الآدميين كقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ﴾ [الأعراف: 195] الآية، وقد تقدم الكلام في ذلك [[في سورة إبراهيم: 36: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ قال أبو إسحاق وغيره: أي ضُلِّلُوا بسببها؛ لأن الأصنام لا تعقل، ولا تفعل شيئًا، كما تقول: قد فتنتني هذه الدار، أي أحببتها، واستحسنتها، وافتتنت بسببها. فلما ضل الناس بسببها صارت كأنها أضلتهم، فنسب الفعل إليهم. انظر: "تفسير البسيط" بتصرف.]]. وهذا القول حكاه الفراء [["معاني القرآن" 3/ 189.]]، ولعله قول الكلبي. ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: يعني المشركين بعبادتهم الأوثان. ﴿إِلَّا ضَلَالًا﴾ إلا خسراناً. وهذا دعاء عليهم بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون، كما قال تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [[سورة هود: 36: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)﴾ [هود: 36]]]. قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ ((ما) صلة كقوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [[سورة النساء: 155: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155)﴾.]]، ﴿فبَمَا رَحْمَةٍ﴾ [[سورة آل عمران: 159: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾.]]، والمعنى: من خطيئاتهم، أي من أجلها وسببها، وهو معنى قول ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 210/ ب، قال: يعني فخطيئاتهم.]]، يعني: فبخطيئاتهم. وقرئ: (خطاياهم) [[قرأ أبو عمر وحده: "مِمَّا خَطَاياهُم" بفتح الطاء، والياء، وألف بعدها من غير همز، وقرأ الباقون: "خطيئاتهم" بكسر الطاء، وياء ساكنة بعدها، وبعد الياء همزة مفتوحة، وألف وتاء مكسورة. انظر: كتاب السبعة: 653، القراءات وعلل النحويين فيها: 2/ 716، و"الحجة": 6/ 328، و"الكشف" 2/ 337، و"حجة القراءات": 726 - 727، و"النشر": 2/ 391، و"البدور الزاهرة" 327.]]، وكلاهما جمع خطيئة؛ أحدهما [[في (ع): أحدها.]] على التكثير، والآخر جمع الصحيح. وقد تقدم الكلام فيها عند قوله: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾ [[سورة البقرة: 58، ومما جاء فيها من الكلام: "أن الأصل في "خطايا" كان "خطايو" لأنها جمع خطيئة قد أبدل من هذه الياء همزة، فصارت "خطائي"، وإنما أبدلت هذه الياء همزة لأن هذه الياء إذا وقعت في الجمع صارت همزة، وعلة ذلك لاجتماع همزتين، فقلبت الثانية "ياء" فصارت: "خطائي" ثم قلبت الياء والكسرة إلى الفتحة والألف، فصارت "خطاءا"، فأبدلت الهمزة ياءً لوقوعها بين ألفين، وإنما أُبدلت الهمزة حين وقعت بين ألفين؛ لأن الهمزة مجانسة للألفات، فاجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، فأبدلت الهمزة ياء فصارت: "خطايا". نقلاً -باختصار يسير- من تفسير البسيط.]]، وفي الأعراف: (خطيئاتكم [[الأعراف: 161: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161)﴾]]) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن صاحب الحجة بتصرف، وبإضافة قولي ابن عباس ومقاتل. انظر: الحجة: 6/ 328.]] وقوله تعالي: ﴿أُغْرِقُوا﴾، أي: بالطوفان. ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ قال مقاتل: فأدخلوا في الآخرة نارًا [["تفسير مقاتل" 210/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 400، و"التفسير الكبير" 30/ 145.]]. وقال الكلبي: يقول: سيدخلون في الآخرة نارًا [["التفسير الكبير" 30/ 145.]]. وعلى هذا معنى لفظ الماضي في قوله: (فأدخلوا) للاستقبال، وذكر على لفظ الماضي لصحة كونه، وصدق الوعد به، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: 44]. وقال الضحاك: إنهم أغرقوا بالماء ثم أُحرقوا بالنار، وكانوا يغرقون من جانب، ويحرقون من جانب [[انظر: "معالم التنزيل" 4/ 400، و"زاد المسير" 8/ 101، و"فتح القدير" 5/ 301.]].