الباحث القرآني

يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
وقوله [[في (أ): قوله: من غير واو.]]: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: دخلت (من) تختص الذنوب من سائر الأشياء لم تدخل [[في (أ): يدخل.]] لتبعيض الذنوب كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 228 بتصرف، وقد رد ابن عطية هذا المعنى فقال: "وهذا ضعيف؛ لأنه ليس هنا جنس يبين". "المحرر الوجيز" 5/ 372.]] [الحج: 30]. وقال غيره [[قاله الفراء في "معاني القرآن" 3/ 187، وقد رد هذا أيضًا ابن عطية فقال: "وهذا غير معروف في أحكام "من". المرجع السابق.]]: (من) بمعنى: (عن)، والمعنى: يصفح لكم عن ذنوبكم [[غير واضحة لبياض في: (ع).]]. ويجوز أن يريد: يغفر لكم السالفة من ذنوبكم، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليهم، ولما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها على الإطلاق قيدت بهذا التقييد [[وقد اعتبر ابن عطية هذا القول من أبين الأقوال عنده. مرجع سابق.]]. قال مقاتل: (من) هاهنا صلة، يعني: يغفر لكم ذنوبكم [["تفسير مقاتل" 210/ أ، وقد رد السمرقندي قول مقاتل في "بحر العلوم" 30/ 356.]]. (ونحوه قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ساقطة من: (أ).]]. وقوله تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، قال الفراء: يريد إلى أجل تعرفونه لا يميتكم غرقاً، ولا حرقاً [[في (أ): خوفًا.]]، ولا قتلاً. وليس في هذا حجة لأهل القدر [[أهل القدر: هم المعتزلة، ومن مذهبهم في ذلك أن العباد الخالقون لأفعالهم، والمستقلون في أعمالهم، بدون سبق قدر؛ وقد تقدم الكلام عنهم.]] [[حيث تعلق بقوله: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، المعتزلة في قولهم: إن للإنسان أجلين، وذلك أنهم قالوا: لو كان واحدًا محدودًا لما صح التأخير إن كان الحد قد بلغ، ولا المعاجلة إن كان الحد لم يبلغ. قاله ابن عطية، انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 373. ولهذا فعندهم أن المقتول مات بالقتل، وليس بأجله، ولو لم يقتل لعاش. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 149.]]؛ لأنه إنما أراد: مسمى عندكم -قال-، ومثله قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]، أي: عندكم في معرفتكم [["معاني القرآن" 3/ 187 بتصرف يسير.]]. قال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب، فتموتوا غير ميتة المُستأصَلين بالعذاب [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 228 بنصه.]]. هذا كلامهما. (وليس فيه ما يَدفع قول أهل [[في (أ): هذا.]] القدر؛ لأن ظاهر قوله: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أنهم إذا آمنوا [[غير واضحة لبياض في: (ع).]] بقوا إلى أجلهم المسمى، وإذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب قبل الأجل، والصحيح في هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: ينسى في أعماركم [["الجامع لأحكام القرآن" 18/ 299.]]؛ وذلك أن الله كان قد قضى قبل أن خلقهم، أنهم إن آمنوا بارك الله في أعمارهم [[بارك الله في أعمارهم: غير واضح في: (ع).]]، وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب المهلك، فبأي الأجلين [[بالعذاب المهلك فبأي الأجلين: غير واضح في: (ع).]] هلكوا كان ذلك بقضاء من الله وقدر. هذا معنى قول ابن عباس: (ينسى في أعماركم [[غير واضح لبياض في: (ع).]]) [[ما ورد بين القوسين من كلام الواحدي، وهو يدل على أمرين: أحدهما: ترجيح الإمام الواحدي إلى ما ذهبت إليه المعتزلة من إثبات أن للإنسان أجلين، وهذا ما يُفهم من قوله: "وليس فيه ما يدفع قول أهل القدر إلى قوله: وإذا لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب قبل الأجل". فتضعيفه لقولي الإمامين أراد به تقوية جانب الاستدلال بظاهر الآية إلى ما تزعمه المعتزلة من أن للإنسان أجلين. هذا وإن كان ما ذهب إليه الإمامان من رد على القدرية، فوجهه ضعيف؛ لأن ما ذكراه من معنى صحيح في == الجملة، لأن الآية دلت على ما ذكراه من أنهم إذا آمنوا فإن الله لا يُعجِّل لهم العذاب بغرق، أو قتل، أو حرق، أو نحو ذلك. ولكن هذا لا يردُّ مباشرة على دعوى المعتزلة من أن لهؤلاء القوم أجلين: حال الكفر والتكذيب بتعجيل العذاب الذي يستأصلهم، وحال الإيمان بتأخيرهم إلى أجل آخر. وإنما قلنا إنه ردٌّ ضعيف؛ لأن فيه وجهًا من الرد عليهم، بناء على أن الأجل المسمى منصبٌّ على نوع سبب الوفاة بالعذاب، أو الوفاة في الأحوال العادية، لا على الوفاة نفسها التي حدد أجلها، ولا يتغير. الثاني: موافقته إلى ما ذهبت إليه المعتزلة، يفهم ذلك من قوله: "والصحيح في هذا ما روى عطاء عن ابن عباس إلى قوله: وإن لم يؤمنوا عوجلوا بالعذاب المهلك، فبأي الأجلين أهلكوا كان ذلك بقضاء من الله وقدر" حيث أقر -بقوله هذا- أن للإنسان أجلين، وهو ما تقول به المعتزلة. هذا وقد اختار الطحاوي هذا القول في مشكل الآثار: 4/ 170. وقد اختلفت أقوال العلماء في تفسير الآية، وما شاكلها من أحاديث، كنحو ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه-، وحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "من سره أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره، فليصل رحمه". صحيح مسلم: 4/ 1982: ح: 2557، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم. ولتفصيل هذه المسألة انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة: لعبد الرحمن صالح المحمود -رسالة ماجستير-: 327. والراجح من الأقوال في مسألة الآجال، وهل تتغير أم هي محددة؟ قول من ذهب إلى أن القدر لا يتغير، وأن التغيير والتبديل لا يكون أبدًا؛ لأن الذي سبق في علم الله كائن لا يتغير، وعلم الله كامل، أحاط بكل شيء، ومنه ما هو كائن، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، أو ما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي، فيقع المحو والإثبات، بمعنى أن ما في اللوح المحفوظ لا يتغير، وما سواه من صحف الملائكة الموكلين بالآدمي قد يدخله التغيير؛ لأن الملائكة لا يعلمون إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها. وهذا القول هو الذي عليه المحققون، كابن تيمية في: "مجموع الفتاوى" 4/ 490 - 492، وابن حجر في "فتح الباري" 11/ 448، والشيخ السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" 2/ 476. وأما قول ابن عباس: "وينسى لكم في أعماركم" إلا يعارض القول الراجح، =]]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى أجلكم [[غير واضح لبياض في: (ع).]] في عافية، فلا يعاقبكم بالسنين ولا بغيره [["تفسير مقاتل" 210/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 18/ 299، و"فتح القدير" 5/ 297.]]. والمعنى على هذا القول: يؤخركم من العقوبات والشدائد إلى آجالكم، لا من المهلكات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ يعني أجل الموت، وأجل العذاب، وكل أجل مسمى عند الله لشيء إذا جاء لم يؤخر. والمعنى: آمنوا قبل الموت تسلموا من العقوبات، فإن أجل الموت إذا حل لم يؤخر، فلا يمكنكم الإيمان إذا جاء الأجل.