الباحث القرآني

إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا
ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: أنه لا يظهر على غيبه إلا الرُّسُلَ؛ لأن الرسل يستدل على نبوتهم بالآية المعجزة، وبأن [[في (أ): أن.]] يخبر [[بياض في: (ع).]] بالغيب، فيعلم بذلك أنهم قد خالفوا غير الأنبياء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 237 بتصرف يسير جدًّا.]]. وقال مقاتل: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، أي: ارتضاه للنبوة [[قوله: ارتضاه للنبوة: بياض في: (ع).]] والرسالة، فإنه [[في (أ): وإنه يسلك ..]] يطلعه على ما يشاء من غيبه [[لم أعثر على مصدر لقوله: وقد ورد من غير عزو في: "الوسيط" 4/ 369.]]. وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على [ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، ثم ذكر أنه يحفظ] [[ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وأثبت ما ورد من "الوسيط" 4/ 369 لاستقامة المعنى به وانتظامه.]] ذلك الذي يطلع عليه الرسول. ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [[في (أ): بأنه.]] (أي يجعل بين يديه وخلفه رصدًا من الملائكة يحوطون الوحْيَ من أن تَسْتَرِقه الشياطين، فتُلْقِيَه إلى الكَهَنَة، حتى [[قوله إلى الكهنة: بياض في: (ع).]] تخبر به الكهنة إخبار الأنبياء، فيساووا [[في (أ): فيساوا.]] الأنبياء، ولا يكون بينهم وبين الأنبياء فرق) [[ما بين القوسين من قول ابن قتيبة، نقله عنه الواحدي بتصرف يسير، وبزيادة عبارة: فيساووا الأنبياء، وحذف: ولا يكون للأنبياء دلالة. انظر: "تأويل مشكل القرآن" 434.]]. فالرصد من الملائكة يدفعون الجن أن يستمع ما ينزل من الوحي. ذكره الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 238 بمعناه.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 492، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" 434.]]، (وهو معنى قول المفسرين) [[ساقط من: (أ).]]. قال الكلبي: يجعل من بين يديه حرسًا من الملائكة يدحرون الشياطين عنه فلا يقربونه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الفراء: ذكروا أن جبريل كان إذا نزل بالوحي نزلت معه الملائكة من كل سماء يحفظونه من استماع الجن يسترقونه فيلقونه [[في (ع): فيلقونه.]] إلى كهنتهم، فيسبقوا به الرسل [["معاني القرآن" 3/ 196 نقله عنه بالمعنى.]]. ومعنى: (يسلك) هاهنا: يدخلهم الأرض فنجعلهم بين يدي الرسول ومن خلفه [[ومعنى (سلك) لغة: السلك: الخيوط التي تخاط بها الثياب، الواحدة: سِلكة، والجميع: السُّلُوك، والسَّلْك: إدخال الشيء يسلكه فيه كما يطعن الطاعن فيسلك الرمح فيه إذا طعنه تلقاء وجهه. "تهذيب اللغة" 10/ 62 مادة: (سلك)، وانظر: "تأويل مشكل القرآن" 432.]]. وذهب مقاتل [["تفسير مقاتل" 212/ ب، و"الكشف والبيان" جـ: 12: 197/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 406.]]، والضحاك [["جامع البيان" 29/ 122، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 28، و"البحر المحيط" 8/ 355، و"الدر المنثور" 8/ 309 - 310 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير.]] إلى أن الرَّصد لكي يحرسوا الرسول من الشياطين أن يتشبهوا له في صورة المَلَك، ويحفظوه [[في (أ): يحفظونه.]] منهم، وإن أتاه شيطان في صورة ملك أخبروه، والقول هو الأول [[القول الأول هو قول الأكثرية من المفسرين، والآيات السابقة من هذه السورة تدل على ذلك، ولكن ما ذكره الضحاك ومقاتل أرى أنه يدخل في مفهوم الآية، فهو من باب حفظ الوحي، وذلك عن طريق حفظ الرسول من أن يتشبه بهما أحد. والله أعلم.]].