الباحث القرآني

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)﴾. ذكرنا معنى هذا عند قوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [[سورة المزمل: 11.]]. قال مقاتل: يعني: خلِّ يا محمد بيني وبينه، فأنا أنفرد بهلكته [["تفسير مقاتل" 215/ ب، و"فتح القدير" 5/ 326.]]. والعائد إلى الموصول محذوف على تقدير: خَلَقْتُه. وأجمعوا على أن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة [[قال بذلك: ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، والضحاك، ومقاتل، انظر: "تفسير مقاتل" 215/ ب، و"جامع البيان" 29/ 152. كما ذكر ابن جرير أنه ذكر أنه عني بالآية الوليد بن المغيرة. "جامع البيان" المرجع السابق. كما ذكر ابن عطية أنة لا خلاف بين المفسرين في أن هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي. انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 394، وحكى الإجماع الفخر الرازي في: "التفسير الكبير" 30/ 198. وعزا القول إلى المفسرين كل من: الماوردي، والقرطبي. انظر: "النكت والعيون" 6/ 139، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 69، وإلى هذا القول ذهب عبد الرزاق، والسمرقندي، والثعلبي، والبغوي. انظر: تفسير عبد الرزاق: 2/ 328، و"بحر العلوم" 3/ 421، و"الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 414. والرواية كما وردت في "أسباب النزول" عن عكرمة عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي -ﷺ- فقرأ عليه القرآن، وكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فقال له: "يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً" قال: لم؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله، فقال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً. قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك أنك منكر له وكاره، قال: وماذا أقول؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزها وبقصيدها مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه؟ قال: فدعني حتى أفكر فيه، فقال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)﴾ الآيات كلها. انظر: "أسباب النزول" 381 - 382 تح: أيمن صالح، و"لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي 223، و"الصحيح المسند من أسباب النزول" للوادعي 225. وقال ابن خليفة عليوي في "جامع النقول في أسباب النزول وشرح آياتها" 2/ 323: إسناد صحيح على شرط البخاري، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 507 التفسير: باب تفسير سورة المدثر وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في: دلائل النبوة: 2/ 199. == قال الدكتور عصام الحميدان: أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل. من طريق عبد الرزاق به، وإسناده صحيح، انظر: "أسباب النزول" للواحدي: تحقيقه 446. وقال الوادعي في المسند الصحيح 225: رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبد الله عن محمد بن علي الصنعاني بمكة عن إسحاق به، وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلًا. قال أبو عبد الرحمن: والظاهر ترجيح المرسل؛ لأن حماد بن زيد أثبت الناس في أيوب، وأيضًا معمر قد اختلف عليه فيه كما في دلائل النبوة، فالحديث ضعيف. والله أعلم.]]. وقوله: ﴿وَحِيدًا﴾ قال أكثر المفسرين، وأهل المعاني [["معاني القرآن" الفراء: 3/ 201، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246، و"الكشف والبيان" 12/ 207/ ب.]]: خلقته وحده لا مال له، ولا ولد، ولا زوجة، خلقته وحيدًا في بطن أمه. وهو قول (الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، و) [[ساقطة من: (أ).]] مجاهد [["جامع البيان" 29/ 152، و"النكت والعيون" 6/ 139، و"زاد المسير" 8/ 123، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 69.]]، و (مقاتل [["تفسير مقاتل" 215/ ب.]]) [[ساقط من: (أ).]] وقتادة [[تفسير عبد الرزاق: 2/ 329، و"جامع البيان" 29/ 152، و"الدر المنثور" 8/ 329 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، والجمهور [[وقال به ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" 496 وابن جرير في: "جامع البيان" 29/ 152، والسمرقندي في: "بحر العلوم" 3/ 421. كما ذهب إليه البغوي، وابن عطية، والخازن. انظر: "معالم التنزيل" 4/ 414، و"المحرر الوجيز" 5/ 394، لباب التأويل: 4/ 328.]]. (و) [[ساقطة من: (أ).]] على هذا: الوحيد من صفة المخلوق. وذكر الفراء [["معاني القرآن" 3/ 201.]]، والكسائي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[في (ع) ورد هكذا: الكسائي والفراء.]]، (والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] وجهًا آخر وهو: أن يكون الوحيد من صفة الله -عز وجل- على معنى: ذرني ومن خلقته وحدي لم [[في (أ): لا.]] يشركني في خلقه أحد، أي فأنا أعلم به، وأقدر عليه. وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: "وحيدًا"، قال: يريد الوليد بن المغيرة، وكان يقول: أنا الوحيد بن الوحيد، ليس (لي) [[ساقط من: (أ).]] في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، وكان يسمى الوحيد في قومه [[ورد قوله في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 69.]]، وهذا غير صحيح أنه لا يجوز أن يكون تفسيرًا لقوله: "خلقت وحيدًا"؛ لأن الله تعالى لا يصدقه في دعواه أنه وحيد، لا نظير له، فيقول: خلقته وحيدًا [[قوله: "وحيدًا" جاء على سبيل التهكم والسخرية؛ لا أن الله صدّقه بأنه وحيد. قال بذلك القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 69. وقال الزمخشري: ولعله لقب بذلك -يعني وحيدًا- بعد نزول الآية، فإن كان ملقبًا به قبل، فهو تهكم به وبلقبه، وتغيير له عن الغرض الذي كانوا يؤمونه من مدحه والثناء عليه بأنه وحيد قومه لرياسته ويساره، وتقدمه في الدنيا إلى وجه الذم والعيب، وهو أنه خلق وحيدًا لا مال له ولا ولد، فآتاه الله ذلك، فكفر بنعمة الله وأشرك واستهزأ بدينه. "الكشاف" 4/ 157.]]. ثم ذكر أنه [[و [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] بياض في (ع).]] رزقه المال والولد (¬2)، وبسط عليه فقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ قال ابن عباس (في رواية أبي صالح) [[في (ع): من.]]: كثيرٌ في [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] كل شيء من المال [[المؤبلة: إذا كانت الإبل مهملة قيل: إبل أُبل، فإذا كانت للقُنية قيل: إبل مؤبَّلَة، أراد أنها كانت لكثرتها مجتمعة حيث لا يتعرض إليها. "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير: 1/ 16.]]، وفسره في رواية عطاء فقال: "مالاً ممدودًا" ما بين مكة إلى الطائف الإبل المؤبلة [[والخيل المسومة: هي التي عليها السِّيما، والسُّومة والسِّمة: العلامة، وقيل: الخيل المسومة: أي المرسلة وعليها ركبانها. انظر: المرجع السابق: 2/ 425، و"لسان العرب" 12/ 312 مادة: (سوم).]]، والخيل المسومة [[النعم المرحلة: أي عليها رِحالُها، والرَّحْل جمعه أرْحُل ورِحَالٌ، وهو مركب للبعير والناقة. "لسان العرب" 11/ 274 و277 مادة: (رحل).]]، والنعم المُرَحَّلَة [["معالم التنزيل" 4/ 414، و"التفسير الكبير" 30/ 198 - 199، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70، و"لباب التأويل" 4/ 328.]]، وأجنة بالطائف، ومال عين كثير، وعبيد، وجوار [["تفسير مقاتل" 215/ ب، و"الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"زاد المسير" 8/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70.]]. وقال مقاتل: يعني بستانه الذي بالطائف، كان لا ينقطع خيره، شتاء ولا صيفًا، كقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] [[المراجع السابقة، وانظر أيضًا: "معاني القرآن" للفراء 3/ 201، و"المحرر== الوجيز" 5/ 394، و"الدر المنثور" 8/ 329 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] يعني لا ينقطع. ومن المفسرين من عين قدر ذلك المال، فروي عن مجاهد (¬11)، وسعيد بن جبير [[ورد قوله في: المراجع السابقة عدا "الدر المنثور".]]، أنهما قالا: ألف دينار. وعن قتادة: بأربعة آلاف دينار [["الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"زاد المسير" 8/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70.]]. وعن الثوري: ألف ألف دينار [[ورد قوله في: "الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 139، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70، و"الدر المنثور" 8/ 329 وعزاه إلى عبد ابن حميد.]]. والأولى في الممدود أن يكون ما يمد بالزيادة والنماء، كالزرع، والضرع [[الضرع: هو ما يملكه الإنسان من الإبل والغنم، قال في اللسان: وما له زرع ولا ضرع: يعني بالضرع الشاة والناقة. انظر: "لسان العرب" 8/ 223: (ضرع).]]، والتجارة. قال أبو إسحاق: تفسيره غير منقطع عنه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246 بنصه.]]. دليله ما روي عن عمر أنه قال في تفسيره: هو غلة شهر بشهر [[ورد قوله في: "الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 139، و"المحرر الوجيز" 5/ 394، و"زاد المسير" 8/ 124، و"الجامع" للقرطبي 19/ 70، و"الدر المنثور" 8/ 330 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.]]. وقال أهل المعاني: وصفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى، وهو أن يكون له مدد يأتي شيئًا بعد شيء [[لم أعثر على مصدر لقولهم.]]. قوله تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ قال ابن عباس: كان له عشرة أولاد حضور بمكة، لا يسافرون [["تفسير القرآن العظيم" 4/ 471 وعبارته: كانوا عشرة]] (وهو قول الكلبي [["بحر العلوم" 3/ 421.]]، ومجاهد، وقتادة [[عزاه لمجاهد وقتادة: "الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 414، و"المحرر الوجيز" 5/ 394، و"زاد المسير" 8/ 124، و"القرطبي" 19/ 70، و"ابن كثير" 4/ 471. وعزاه لمجاهد: "الطبري" 29/ 154، و"الرازي" 30/ 199.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. وقال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر [["الكشف والبيان" 12/ 207/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 140، و"المحرر الوجيز" 5/ 394، و"زاد المسير" 8/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 70، و"الدر المنثور" 8/ 329. وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وانظر: تفسير سعيد بن جبير: تح إبراهيم النجار: 360.]]. وقال مقاتل: كانوا سبعة [["تفسير مقاتل" 215/ ب. وانظر: المراجع السابقة عدا النكت، والمحرر، والدر. وانظر: أيضًا: "بحر العلوم" 30/ 421.]]. (قال أبو إسحاق: أي شهود معه لا يحتاجون أن يتصرفوا ويغيبوا عنه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 246 بنصه.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]].