الباحث القرآني

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)﴾. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان رسول الله -ﷺ- يعالج من التنزيل شدة [[قوله: التنزيل شدة: بياض في (ع).]]، وكان يشتد عليه حفظه، وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي، مخافة ألا يحفظه [[في (ع): يحفظ.]]، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يعني بالقراءة [[أخرج هذا الأثر البخاري في "الجامع الصحيح" 3/ 318: ح: 4927، 4928، 4929 بمعناه كتاب: التفسير: باب (75) سورة القيامة، ومسلم في "صحيحه" 1/ 330: ح: 147، 148: كتاب: الصلاة باب: الاستماع للقراءة، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" 10/ 342: ح 2628، والإمام أحمد في "المسند" 1/ 343، والترمذي في "سننه" 5/ 430: ح 3329: كتاب: تفسير القرآن باب 721 ومن سورة القيامة. وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "سننه" 2/ 487: ح 934: كتاب الافتتاح باب 37 جامع ما جاء في القرآن، والطبراني في "المعجم الكبير" 11/ 458: ح: 12297، كما ورد في الأثر عن ابن عباس في "جامع البيان" 29/ 187 بمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 155، و"معالم التنزيل" 4/ 423 ، و"زاد المسير" 8/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 104، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 479، و"الدر المنثور" 8/ 348 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، والطبراني وابن مردويه، وأبي نعيم، و"لباب القول" للسيوطي 225، وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي 7/ 56.]]. ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي بالقرآن، كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114]. والمعنى لتعجل بأخذه. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾، أي نجمعه في صدرك، وقراءته [[بياض في (ع).]] عليك؛ (قاله الكلبي) [[قراءته: كررت في نسخة: (ع).]] [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثله في "الوسيط" غير منسوب 4/ 392.]]. وقال عطاء: (أي) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] إن جبريل يستعيده عليك [[ساقطة من (أ).]]. وقال مقاتل (وقرآنه): يعني: ونقرئكه حتى تحفظه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. قال الزجاج: إن علينا أن نقرئكه فلا تنسى [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]]. كما قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾ [الأعلى: 6]. وعلى هذا معنى قوله: (قرآنه) أي وقراءتك إياه بأن نقرئكه، والقارئ هو النبي -ﷺ-، وعلى القول الأول: القارئ هو جبريل. وهذا الذي ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ هو قول مقاتل [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253 برواية: (نقريك) بدلًا من: (نقريكه).]]، (ومجاهد [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]]، وقتادة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وعطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، والجميع [[قال بذلك أيضًا سيد بن جبير، والشعبى، وابن زيد، والضحاك. انظر: "جامع البيان" 29/ 187 - 188. وبه قال الفراء، والزجاج، وعزاه ابن عطية إلى كثير من == المفسرين، وقال به أيضًا ابن كثير. انظر: "معاني القرآن" 3/ 211، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 479. وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله قيل له ذلك: أنه كان يكثر تلاوة القرآن مخافة نسيانه، فقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا أن نجمعه لك، ونقرئكه، فلا تنسى. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك. انظر: "جامع البيان" 29/ 188، و"المحرر الوجيز" 5/ 404. وقال آخرون -وهو قول الشعبي- كان رسول الله -ﷺ- لحرصه على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى، ربما أراد النطق ببعض ما أوحى إليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر ألا يعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه. انظر: "المحرر" 5/ 404.]]. قال قتادة في قوله: (جمعه وقرآنه) حفظه [[غير مقروءة في نسخة: (ع).]]، وعلى هذا معنى القرآن: الجمع؛ من قولهم: ما قرأت الناقة سلا [[السلا: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد، يكون ذلك في الدواب والإبل وفي الناس: المشيمة، والمعنى ما حملت ملقوحًا. "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 396.]] قط، أي: ما جمعت. (وقد ذكرنا ذلك عند تفسير القُرء [[[البقرة: 228] وما جاء في معنى (القروء) جمع قرء، وجمعه القليل أقرؤ، وأقراء، والكثير: قروء، وهذا الحرف من الأضداد؛ لأن أصل القرء اسم للوقت، والقروء الأوقات، واحدها قرء. وقال قوم: أصل القرء: الجمع، يقال: ما قرأت الناقة سلا قط، أي ما جمعت في رحمها ولدًا قط.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾. قال ابن عباس: فإذا قرأه جبريل [["الوسيط" 4/ 393.]] ومقاتل: فإذا تلوناه عليك بجبريل [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]]. ﴿فَاتَّبِعْ [[بياض في (ع).]] قُرْآنَهُ﴾. قال: يعني: فاتبع ما فيه كما نقرئكه [["تفسير مقاتل" 218/ أ، وقد ورد بمعناه في "الوسيط" ع: 393 من غير عزو.]]. ونحو هذا قال قتادة: يقول: فاتبع حلاله وحرامه [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 334، و"جامع البيان" 29/ 190، و"المحرر الوجيز" 5/ 405، و"زاد المسير" 8/ 137، و"الدر المنثور" 8/ 348 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. وأجود من هذا أن يكون المعنى: فاتبع قرآنه، أي: اقرأه إذا فرغ جبريل من قراءته. وهذا أولى؛ لأنه أمر أن يدع القراءة [[بياض في (ع).]]، ويستمع من جبريل، حتى إذا فرغ جبريل قرأه، وليس هذا موضع الأمر باتباع ما فيه من الحلال والحرام. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: يقول: إنا أنزلناه فاتبع له، فكان النبي -ﷺ- إذا نزل عليه جبريل بعد هذا أطرق، فإذا ذهب فرأه كما وعده الله [[الأثر أخرجه البخاري 3/ 318: ح: 4929 كتاب: التفسير باب 75 سورة القيامة، ومسلم 1/ 330: ح: 147 - 148: "كتاب الصلاة" باب الاستماع للقراءة، كما أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" 10/ 342: ح 2628، والنسائي في "سننه" 2/ 487: ح: 934: كتاب: الافتتاح باب: 37 جامع ما جاء في القرآن.]]. وقال [[أي ابن عباس.]] أيضًا: فاتبع قرآنه، واستمع له، وأنصت، قال: فإذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه [[سبق تخريجه.]]. وعلى هذا أتبع قراءة [[في (أ): قرة.]] جبريل بالاتباع [[قوله: جبريل بالاتباع: بياض في (ع).]]. وعلى القول الأول: أتبع قراءته بقراءتك. وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" هذه الآية فقال: (قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرك بِهِ لِسَانَكَ﴾، إنا سنحفظه عليك. وهذا في المعنى مثل قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114]، وليس المراد بقوله: ﴿جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ القرآن الذي هو اسم التنزيل، وإنما أضمر [في قوله: ﴿لَا تُحَرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾، وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر] [[ساقط من النسختين، وأثبته من المسائل الحلبية لاكتمال واتضاح المعنى بوجوده.]] في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾ [القدر: 1]، وإن كان أول سورة، ولم يجر له ذكر، وإذا كان الذكر المضاف إليه المصدر في قوله: (وقرآنه) راجعًا إلى التنزيل ثبت أن المصدر ليس عبارة عنه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: رجلُ زيدٍ، وأنت تعني بـ: (رجل) زيدًا [[في كلا النسختين: زيد.]] نفسه، وإنما أضيف المصدر إلى المفعول هاهنا: المعنى: جمعنا إياه، وقراءتنا إياه. وكذلك التقدير في قوله: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، ومجاز الآية على قول أبي عبيدة: جمعه وتأليف بعضه إلى بعض [["مجاز القرآن" 2/ 278، وذكر بيت عمرو بن كلثوم.]]، من قوله: (ما قرأت هذه الناقة سلا قط، أي [[في (أ): أن.]] إني لم تضم، ولم تجمع. وبيت عمرو بن كلثوم: لم تَقْرَأ جَنِينا [[البيت كاملاً: ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ... هِجانِ اللَّوْنِ لم تَقْرأْ جَنِينا ورد البيت في "شعر عمرو بن كلثوم" إعداد: طلال حرب: 25، "شرح المعلقات السبع" للزوزني 169، و"شرح المعلقات العشر" للشنقيطي 139، و"مجاز القرآن" 2/ 278، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"روح المعاني" 29/ 142. == ومعنى البيت: العيطل: الطويلة العنق من النوق. الأدماء: البيضاء منها، والأدمة البياض في الإبل. البكر: الناقة التي حملت بطنًا واحداً، الهجان: الأبيض الخالص البياض. لم تقرأ جنينًا، أي: لم تضم في رحمها ولدًا. شرح المعلقات السبع. مرجع سابق، انظر: "ديوانه" 25 والذي ورد في ديوانه برواية: ذِرَاعَا عِيْطَلٍ أدْمَاءَ بكرٍ ... تَرَبَّعَتِ الأجَارعَ والْمُتُونَا أما ما روي عنه في شرح المعلقات وغيرها ووضح ذلك في ديوانه، فهي رواية: ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا]] وإنما حسن ذكر الجمع والقرآن؛ لأن المجى عام، والقرآن أخص منه، فإنك تقول: جمعت الناس والمال. ولا تقول: قرأت الناس، بمعنى جمعت، فإذا دخل القرآن الاختصاص الذي ليس في الجمع حسن التكرير، كما أنك لو قلت: أعلمت زيدا وأنذرته، حسن؛ لاختصاص الإنذار بمعنى التخويف المتعري منه: (أعْلَمْت) وإذا استجيز استعمال لفظين مختلفين بمعنى واحد، نحو (أقوى) و (أفقر)، فهذا النحو الذي يختص فيه إحدى الكلمتين، بمعنى ليس في الأخرى [[في (أ): الأخرا.]] أجدر أن يستحسن) [[ما بين القوسين من "المسائل الحلبية" باختصار: 290 - 293.]].