الباحث القرآني

وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾ هذا على قول الحسن: نفي. كما ذكرنا عنه، وعلى قول الآخرين معناه: أقسم، واختلفوا في النفس اللوامة، فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن كل نفس تلومها نفسها يوم القيامة، يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع من إساءته [[ورد معنى قوله في "بحر العلوم" 3/ 425، و"التفسير الكبير" 30/ 215.]]. وهو اختيار الفراء، قال: ليس من نفس برة، ولا فاجرة، إلا وهي تلوم نفسها، من كانت عملت خيرًا قالت: هل ازددت، وإن كانت عملت سوءًا [[في كلا النسختين: سوء.]] قالت: ليتني لم أفعل [["معاني القرآن الكريم" 3/ 208 بنصه.]]. وقال الحسن: هي النفس المؤمنة [[قوله النفس المؤمنة: بياض في (ع).]]، وإن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته [[قوله: إلا يلوم إلى حالاته: بياض (ع).]]، يستقصرها في كل ما يفعل، فيندم ويلوم نفسه [[قوله: فيندم ويلوم نفسه: بياض (ع).]]، وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه [[قوله: لا يعاتب نفسه: بياض (ع).]] [[ورد معنى قوله في "الكشف والبيان" 13: 3/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 421، و"زاد المسير" 8/ 133، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 477، و"الدر المنثور" 8/ 343 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس. وانظر: "تفسير الحسن البصري" تح: د. محمد عبد الرحيم: 2/ 377.]]. وقال مقاتل [["الكشف والبيان" 13: 3/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 421، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 91، و"لباب التأويل" 4/ 333، و"فتح القدير" 5/ 335.]]، وقتادة [[بمعناه في "البحر المحيط" 8/ 384.]] [[في (أ): قتادة ومقاتل.]] هي: النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله. وأما معنى القسم بالنفس اللوامة، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: يقسم ربك بما شاء من خلقه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وجواب القسم في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ إلى قوله: ﴿قَادِرِينَ﴾. وقال [[في (أ): قال.]] أبو جعفر النحاس: جواب القسم محذوف، على تقدير: (لتبعثن) [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 91.]]. يدل عليه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى﴾. (قال) [[ساقطة من (أ).]] ابن عباس يريد: أبا جهل، أيحسب [[بياض في (ع).]] أن لن يبعث [["تفسير مقاتل" 217/ ب، و"الوسيط" 4/ 391.]]. وقال مقاتل: يعني عدي ابن ربيعة الثقفي، كفر بالبعث [["الكشف والبيان" 13: 4/ أ، و"زاد المسير" 8/ 134، وهو عدي بن ربيعة بن أبي سلمة حليف بني زهرة ختن الأخنس بن شريق الثقفي. ذكر ذلك ابن الجوزي من النسخة الأزهرية. انظر: "زاد المسير" المرجع السابق.]]. قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ [[﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾.]] أي: بلى نجمعها قادرين. فقوله: (قادرين) حال، والعامل فيها مضمر، يدل عليه: (أن لن نجمع عظامه بلى) على تقدير: بلى نجمعها، ونقوى عليها قادرين. وهذا قول جميع النحويين [[انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 346، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 270، و"معاني القرآن وإعرابه" الزجاج 5/ 251.]]. قال الفراء: وقول الناس: بلى نقدر، فلما صرف [[في (أ): قصرت.]] إلى (قادرين) نصب خطأ؛ لأن الفعل لا ينصب بتحويله من يفعل إلى فاعل، ألا ترى أنك تقول: أتقوم إلينا، فإن حولتها إلى فاعل قلت: أقائم أنت إلينا، وكان خطأ أن تقول: (قائمًا)، فأما قول الفرزدق: علي قَسم لا أشْتِمُ الدهْرَ مُسْلِمًا ... ولا خارجًا من فِيَّ زُورُ كلامِ [[ورد قوله في "ديوانه" 3/ 212: دار صادر، و"كتاب سيبويه" 1/ 346، كتاب: "شرح أبيات سيبويه" للنحاس 1/ 346، و"الكامل" 1/ 155 و 464، و"الخزانة" 1/ 108، 2/ 270، و"إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 957 جميعها برواية: عليّ حِلْفَةٍ (بدلاً من عليّ قسم) عدا الإيضاح.]] فإنما نصبت (خارجًا) لأنه أراد: عاهدت ربي لا شاتمًا أحدًا، ولا خارجًا من فيّ زور كلام، فقوله: (لا أشتم) في موضع نصب [[ورد قوله في "معاني القرآن" 3/ 208 بيسير من التصرف.]]. قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ قال ابن عباس: أن نجعل يده كخف البعير، أو كظلف الخنزير [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 333، و"جامع البيان" 29/ 175 من غير ذكر أو كظلف خنزير، وبمعناه في "بحر العلوم" 3/ 425.]]. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 217/ ب.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: أن نجعل أصابعه ملتزقة مثل الكف، فيكون كخف البعير لا ينتفع به ما كان حيًّا. وهذا قول قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 333 مختصرًا، و"جامع البيان" 29/ 176، و"النكت والعيون" 6/ 152 وعبارته فيهما: (بلى قادرين على أن نجعل كفه التي يأكل بها ويعمل، حافر حمار أو خف بعير. فلا يأكل إلا بفيه ولا يعمل بيده شيئًا).]] (وعكرمة) [[بمعناه في "جامع البيان" 29/ 175، و"الدر المنثور" 8/ 343، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] [[ساقط من (أ).]]، والحسن [[بمعناه في "جامع البيان" 29/ 175، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 92 - 93، وانظر: "تفسير الحسن البصري" تح: محمد عبد الرحيم 2/ 378.]]، قالوا: نجعلها كحافر الدابة (فهذا قول أهل التفسير) [[ساقطة من (أ).]]. وشرحه أبو علي (الفارسي) [[ساقطة من (أ).]] فقال: بلى قادرين على أن نسوي بنانه أي نجعلها مع كفه كصفيحة مستوية، لا شقوق فيها، كخف البعير فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة، والخياطة (والْخَرْز) [[الخرز: خياطة الأدَم. وكلُّ كُتْبَةٍ من الأدم: خُرْزَة -على التشبيه بذلك- يعني كل ثقبة وخيطها. والخراز صانع ذلك، وحرفته الْخِرازة. "لسان العرب" 5/ 344 (خرز).]] [[ساقط من (أ).]] ونحو ذلك من لطيف الأعمال التي يستعان عليها بالأصابع [[لم أعثر علي مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في "التفسير الكبير" 30/ 218.]]. قال أحمد بن يحيى: ومن أيمانهم: لا والذي شقهن خمسًا من واحدة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]؛ يريدون الأصابع من الكف. وقال المبرد: أي يجعلها على هيئة واحدة، فيكون على خلاف ما تقول العرب: وما يستوي في الراحتين الأصابع [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد عن الأحوص بنحو ذلك قال: وقد ثبتت في الصدر منها مودة ... كما ثبتت بالراحتين الأصابع "شعر الأحوص بن محمد الأنصاري" تح: د. إبراهيم السامرائي: 117.]] ولأهل المعاني قول آخر، قال أبو إسحاق: والذي هو أشكل بجمع العظام. بلى نجمعها، قادرين على تسوية بنانه على ما كانت، وإن قل عظامها وصغرت وبلغ منها البلى [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 251 بنصه.]]. وذكر أبو علي هذا القول، فقال: أي: يردها كما كانت [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وشرح ابن قتيبة هذا القول فقال: هذا رد من الله عليهم، وذلك أنهم ظنوا أن الله لا ينشر الموتى، ولا يقدر على جمع العظام البالية فقال: (بلى) فاعلموا أنا نقدر على أن نعيد السُّلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى يستوي البنان، ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار (العظام) [[ساقطة من (أ)]] أقدر [["تأويل مشكل القرآن" 346 بيسير من التصرف.]].