الباحث القرآني

وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ذكر الفراء فيه قولين: أحدهما: أن المعنى: وإذا رأيت ما ثَمَّ، وصلح إضمار (ما) كما قال: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] يريد ما بينكم. والثاني: يريد إذا نظرت ثم، أي: إذا رميت ببصرك (هاهنا) [[ساقطة مز: (أ).]] [["معاني القرآن" 3/ 218 مختصرًا.]] قال أبو إسحاق: لا يجوز إضمار (ما)؛ لأن (ما) موصولة بقوله: (ثم)، ولا يجوز إسقاط الموصول، وترك الصلة، ولكن (رأيت) تتعدى في المعنى إلى (ثم)؛ لأن المعنى: إذا رميت ببصرك ثَمَّ [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 261 بتصرف.]]. ومعنى: (ثم) هناك، يعني في الجنة. ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ لا يوصف. ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: لا يقدر واصف يصف حسنه، ولا طيبه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال الكلبي: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة، والطعام [[بياض في (ع).]]، والشراب، والتحف إلى ولي الله، وهو في منازله، فيستأذن عليه، فذلك الملك العظيم [[بمعناه في: "معالم التنزيل" 4/ 430،"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 142.]]. وقال مقاتل: لا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بإذنه [["تفسير مقاتل" 221/ ب، وقد ورد قوله في: "معالم التنزيل" 4/ 430، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 142.]]. وهو قول مجاهد [["الدر المنثور" 8: 76 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي، والذي ورد عنه عند الطبري (قال: تسليم الملائكة) "جامع البيان" 29/ 221.]]، وسفيان [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 221، "المحرر الوجيز" 5/ 413، "الدر المنثور" 8/ 376 وعزاه إلى ابن جرير.]]، (والسدي) [["فتح القدير" 5/ 351.]] [[ساقطة من (أ).]]. قالوا: هو استئذان الملائكة عليهم. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه ذكر مركبهم، ثم تلا [[في (أ): تلى.]]: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. [["الدر المنثور" 8/ 376 وعزاه إلى البيهقي في "البعث" 237: رقم 401. وانظر: "المستدرك" 2/ 511 التفسير: سورة هل أتى، وقال عنه: صحيح، ووافقه الذهبي.]] قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ قال الفراء: من نصب (عاليهم) [[قرأ بفتح الياء في "عالِيَهم" على أنه حال: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، والكسائي. انظر: "الحجة" 6/ 354، "حجة القراءات" 740، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 354، "النشر" 2/ 396.]] جعله كالصفة، نحو: فوقهم [[بمعنى: فوقهم ثياب سندس. انظر: "معاني القرآن" 3/ 218.]]، والعرب تقول: قومك داخل الدار فينصبون داخل؛ لأنه محل [[محل: مصطلح كوفي يقابله عند البصريين: الظرف. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 347.]]، فـ (عاليهم) من ذلك [["معاني القرآن" 3/ 218 - 219 بتصرف يسير.]]. وقال أبو إسحاق: وهذا لا نعرفه في الظروف [[أي أن نصب (عاليهم) على الظرف، وهو مما لا يعرف في الظروف. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 262.]]، ولو كان ظرفًا لم يجز إسكان (الياء)، ولكن نصبه على الحال من شيئين: أحدهما: على (الهاء)، و (الميم) في: (عاليهم)، المعنى: يطوف على الأبرار ولدان مخلدون عاليًا الأبرارَ ثياب سندس؛ لأنه قد وصف أحوالهم في الجنة، فيكون المعنى: يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء، ويجوز أن يكون حالاً من (الولدان). المعنى: إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا في حال علو الثياب إياهم [["معاني القرآن وإعرابه" ونقل الواحدي العبارة بنصها من كلام طويل.]]. وقال أبو علي الفارسي: من نصب ﴿عَالِيَهُمْ﴾ احتمل النصب أمرين: أحدهما: أن يكون حالاً، والعامل فيه أحد شيئين: إما: (لَقَّاهُمْ) من قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، وإما ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾، ومثل قوله: ﴿عَالِيهُم﴾ في كونه حالًا قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ مرتفعة باسم الفاعل قال: وقد أجيز أن يكون ظرفًا؛ لأنه لما كان (عالِ) بمعنى فوق [[في (ع): كان، وهي زيادة من الناسخ لا داعي لها.]] أجري مجراه في هذا، وهذا الوجه أبين، وهو أن (عال) صفة جُعل ظرفًا، كما كان قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [[سورة الأنفال: 42.]] كذلك، وكما قالوا: هو ناحيةً من الدار. ومن قرأ: (عَالِيهِم) فأسكن الياء [[قرأ بذلك: نافع، وحمزة، وأبو جعفر. انظر: "الحجة" 6/ 354، "حجة القراءات" 739، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 354، "النشر" 2/ 396، "إتحاف فضلاء البشر" 429.]] في موضع رفع الابتداء، و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ خبره، ويكون اسمه في وضع الجماعة، كما أن الخبر جماعة، وفاعل قد يراد (به) [[ساقطة من (أ).]] الكثرة كما قال: ألا إنَّ جيراني العشيّةَ رائِح ... دَعَتْهُم دواع من هوًى ومنادِحُ [[البيت غير منسوب في: "المحتسب" 2/ 154، "الهمع" 2/ 182 ط. دار المعرفة، وأصل منادح: مناديح؛ لأنه جمع مندوحة.]] وفي التنزيل: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67]، ﴿وقطع دابر القوم﴾ [[في (أ): ويقطع. سورة الأنعام: 45.]] كأنه أفرد حيث جعل بمنزلة المصدر، وقد قالوا: الجامِل والباقر [[الجامل: اسم للجمع، كالباقر والكالب، ورجل جامِل: ذو جمل. انظر: "لسان العرب" 11/ 125 (جمل). وقال الأزهري: "الباقر: جماعة البقر مع راعيها، وكذلك الجامل: جماعة الجمال مع راعيها" تهذيب اللغة: 9/ 137 (بقر).]]، يراد بهما الكثرة قال: ويجوز في قياس قول أبي الحسن في إعمال اسم الفاعل عمل الفعل، وإن لم يعتمد على شيء أن يكون (ثياب سندس) مرتفعة بعالِيَهُم ارتفاع الفاعل، وأفْرَدت عاليًا؛ لأنه فعل متقدم، قال أبو علي: (عالِيَهُم) وإن كان مضافًا إلى الضمير، فهو في تقدير الانفصال والتنوين؛ لأنه مما لم يمض، فهو بمنزلة: زيدٌ ضاربُ أخيك غدًا، فهذا ابتداءُ بالنكرة؛ إلا أنه قد اختص [[بياض في (ع).]] بالإضافة، وإن كانت الإضافة في تقدير الانفصال [["الحجة" 6/ 354 - 356 نقله الإمام الواحدي عن أبي علي باختصار.]]. قوله تعالى: (خضر) (قرئ خفضًا ورفعًا [[قرأ بالكسر: ابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي. وقرأ بالرفع: أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب. انظر كتاب "السبعة" 664، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 734، "الحجة" 6/ 356، "حجة القراءات" 740، "الكشف" 2/ 355، "المبسوط" 390.]]. [[في (ع): رفعًا وخفضًا.]]، فمن رفع فلأنها صفة مجموعة لموصوف مجموع، وهو قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ فأتبع الخضر الذي هو جمع مرفوع، الجمع المرفوع الذي هو ثياب، ومن خفض أجرى الخضر، وهو جمع على السندس؛ لأنه يراد به الجنس، وأجاز أبو الحسن جمع وصف ما يراد به الجنس بالجمع فقال: يقول: أهلك الناسَ الدينارُ الصّفر، والدرهم البيض [[في (أ): الأبيض.]]، على استقباح له، ومما يدل على فتحه أن العرب تجيء الجمع الذي هو في لفظ الواحد، فيجرونه مجرى [[بياض في (ع).]] الواحد، وذلك قولهم: حصى أبيض، وفي التنزيل: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: 80]، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: 20]، فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذه الضرب من الجمع، فالواحد الذي في معنى الجمع أولى أن تفرد صفته) [[ما بين القوسين نقله عن أبي علي في: "الحجة" 6/ 356 - 357 مختصرًا.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ فيه الجر والرفع [[قرأ بالجر في: "إستبرق" أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف. وقرأ بالرفع: ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ونافع، وحفص عن عاصم. انظر كتاب "السبعة" 665، القراءات وعلل النحويين فيها: 2/ 734، الحجة: 6/ 356، "حجة القراءات" 740، "الكشف" 2/ 355، "المبسوط" 390.]] أيضًا، فالجر من حيث كان جنسًا أضيف إليه الثياب، (كما أضيف إلى سندس، فكأن المعني ثيابهم، فأضاف الثياب) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]] إلى الجنس، كما تقول: ثياب خزٍّ [[الخَزُّ: ويراد به ثياب تنسج من صوف وإبريسم. انظر: "لسان العرب" 5/ 345 (خزز).]] وكتانٍ [[الكَتان: بالفتح: معروف، عربي سمي بذلك لأنه يُخَيَّس ويلقى بعضه على بعض حتى يكتن. "لسان العرب" 13/ 355 (كتن).]]، فتضيفهما إلى الجنسين، ودل على ذلك قوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: 31]، (ومن رفع إستبرق) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]] أراد العطف على الثياب، كأنه ثياب سندس، وثياب إستبرق، فحذف المضاف [["الحجة" 6/ 356 - 359 مختصرًا.]]. وهذه الآية مفسرة في سورة الكهف [[سورة الكهف: 31: ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي: "قوله: "يحلون فيها من أساور من ذهب" أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: سوار في اليد بالكسر، وقال أبو زيد: هو: سِوار المرأة، وسَوار المرأة، وأسورة لجماعتها، وهما قلبان يكونان في يدها. "من سندس واستبرق" هما نوعان من الحرير. وقال بعضهم: السندس ما دقَّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه" ا. هـ]] إلى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال الكلبي: شراب أهل الجنة طاهر كله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. قال الفراء: يقول هو طهور ليس بنجس كما [كان] [[في كلا النسختين: كانت، وهكذا ذكرت أيضًا في حاشية معاني القرآن، وقال المحقق: "إنه تحريف"، وأثبت كان.]] في الدنيا [مذكورًا] [[في كلا النسختين: "مذكورة" والمثبت من معاني القرآن.]] بالنجاسة [["معاني القرآن" 3/ 219 بنصه.]]، وعلى هذا: الطهور مبالغة من الطاهر. والمعنى: أن ذلك الشراب طاهر ليس كخمر الدنيا. وقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة تنبع [[بياض في (ع).]] من ساق العرش من شجرة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش، وغل، وحسد، وما كان في جوفه من [[قوله: (وما كان في جوفه من) بياض في (ع).]] قذر، وأذى [["تفسير مقاتل" 222/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 431، "التفسير الكبير" 30/ 254، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 145، "فتح القدير" 5/ 352.]]. وقال أبو قلابة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 338 بنحوه، "جامع البيان" 29/ 223 بنحوه، وبمعناه في: "معالم التنزيل" 4/ 430 - 431، "والمحرر الوجيز" 5/ 414، "زاد المسير" 8/ 150، "التفسير الكبير" 3/ 254، وبمعناه في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 145، "الدر المنثور" 8/ 377 وعزاه إلى ابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 352.]]، وإبراهيم [[ورد معنى قوله في: "معالم التنزيل" 4/ 430 - 431، "المحرر الوجيز" 5/ 414، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 145، "فتح القدير" 5/ 352.]]: يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك، أوتوا بالشراب الطاهر، فيشربون، فتضمر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك. وعلى قول هؤلاء: المراد بالطهور المطهر؛ لأنه يطهرهم مما ذكروا. فقال: .. [[بياض في (ع)، ولا يوجد له ذكر في (أ).]] ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ أن يقال لهم: إن هذا، يعني [[قوله: إن هذا يعني: بياض في (ع).]] ما وصف من نعيم الجنة، كان لكم جزاء بأعمالكم. ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد أني قبلت اليسير من أعمالكم [[قول: اليسير من أعمالكم: بياض في (ع).]]، وشكرتكم عليه، وأثبتكم أفضل الثواب وأعظمه [[بياض في (ع). وانظر بمعناه في: "التفسير الكبير" 30/ 255.]].