الباحث القرآني

وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال مجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" 694، "جامع البيان" 30/ 5، "الكشف والبيان" == 13/ 260 أ، "معالم التنزيل" 4/ 437، "زاد المسير" 8/ 163، "التفسير الكبير" 9/ 31، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 170، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493، "الدر المنثور" 8/ 391 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والفريابي، "فتح القدير" 5/ 364.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 225/ ب، وانظر: المراجع السابقة عدا تفسير مجاهد، و"جامع البيان"، و"الجامع لأحكام القرآن".]]، وقتادة [[المراجع السابقة جميعها، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، وعزاه صاحب الدر للخرائطي في مكارم الأخلاق.]]: يعني الرياح. قال الأزهري: سميت الرياح مُعْصِرات: إذا كانت ذوات أعاصير، واحدها: إعصار [["تهذيب اللغة" 2/ 15 (عصر)، نقله عنه بتصرف.]]. و (من) على هذا القول قامت مقام (الباء) كأنه قال: وأنزلناها بالمعصرات [[وبه قال الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 26 أ. وضعف هذا القول ابن منظور في "لسان العرب" 4/ 578: (عصر).]]. [وقال] [[في (أ): وقاله.]] عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [[ورد معنى قوله في "تفسير مقاتل" 225/ أ، كما ورد قوله في "الكشف والبيان" 13/ 26/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 437، "زاد المسير" 8/ 163، "التفسير الكبير" 31/ 9، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493، "فتح القدير" 5/ 364.]]: إن (تلك) [[في (أ): ذلك.]] ريح تجلب المطر. وقال أبو العالية [[المراجع السابقة بالإضافة إلى "المحرر الوجيز" 5/ 424، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 170، "البحر المحيط" 8/ 411، "تفسير أبي العالية" 2/ 625؛ رسالة ماجستير غير منشورة، تح: الورثان.]]، والربيع [[المراجع السابقة بالإضافة إلى: "جامع البيان" 30/ 5، "النكت والعيون" 6/ 184.]]: هي السحاب. واختلفوا في معنى تسمية السحاب، ووصفها بالمعصرات. قال الفراء: السحابة المعصر التي تتحلب بالمطر، ولما تجتمع، مثل الجارية المعصر، قد كادت تحيض، ولما تَحِضْ [[لم أعثر على قوله في "معاني القرآن"، ولكن وجدته في "تهذيب اللغة" 2/ 16: (عصر)، و"لسان العرب" 4/ 578 (عصر).]]. قال الأزهري: وأهل اللغة في الجارية المعصر على خلاف ما [ذكره الفراء] [[ما بين المعقوفين ساقط من: أ، وأثبت ما رأيته أنه يستقيم به المعنى وينتظم الكلام، وقد بين الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 17، (عصر) أن أهل اللغة على خلاف، وما قاله الفراء في معنى "المعصر" ففهم أن الساقط من الكلام ما أثبته. والله أعلم.]]. قال أبو عبيد عن أصحابه: إذا أدركت الجارية فهي معصر، وأنشد [[الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، ونسبه في "الدر" لأبي النجم العجلي 6/ 462، ولم أجده في ديوان أبي النجم.]]: قَدْ أعْصَرَتْ أوْ قَدْ دَنا إعْصَارُها [[تمام الرجز: جارية بسفوان دارها تمشي الهوينى مائلاً خمارها معصرة أو قد دنا إعصارها وقد ورد في "تهذيب اللغة" 2/ 17 (عصر)، "لسان العرب" 4/ 576.]] وقال الكسائي: المعصر التي قد راهقت العشرين [["تهذيب اللغة" 2/ 17، (عصر) ..]]. وقال ابن الأعرابي: المعْصِر: ساعةَ تطمُث؛ لأنها تُحبس في البيت يجعل لها عَصراً، قال: وكل حِصن يتحصَن به فهو عَصَر [[المرجع السابق.]]. وقال غير الفراء: إنما قيل للسحابة معصر تشبيهاً بالجارية المعصر لانعصار دم حيضتها، ونزول ماء تريبتها للجماع، يقال: اعتصرت الجارية إذا بلغت هذه الحالة [[المرجع السابق.]]. وقال أبو إسحاق: المعصرات: السحائب؛ لأنها تعصر الماء. وقيل: معصرات كما يقال: أجزَّ [[أجز، وجزَّ الزرع: حان أن يزرع. "لسان العرب" 5/ 321 (جز). وفي مختار "الصحاح" جَزَّ البُرَّ، والنَّخْل، والصوف من باب ردَّ، و"المجز": بالكسر ما يجز به، وهذا زمن "الجزاز" بفتح الجيم وكسره، أي زمن الحصاد، وصرام النخل، و"أجز" البُرُّ، والنَّخل، والغنم: حان له أن يُجَزَّ. 102 - 103.]] الزرع أي صار إلى أن يجز، وكذلك صار المطر إلى أن يمطر فيعصر [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272 بتصرف يسير.]]. وقال المبرد: من قال في المعصرات إنها السحاب فمعناه: أنها ممسكات الماء من العصر، وهو الملجأ الذي يمنع اللاجئ إليه، وكذلك العصر، والمعتصر [[بمعناه في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 171.]]. وقال المازني [[تقدمت ترجمته في سورة البقرة.]]: أعصرت السحابة إذا ارتفع لها غبار شديد، وهو الإعصار [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وعلى هذا: يجوز أن تكون المعصرات ذوات الأعاصير من السحاب. واختار الأزهري أن تكون المعصرات في هذه الآية بمعنى السحاب. قال: وهو أشبه بما أراد الله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأن الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله المعصرات بالماء الثجاج [["تهذيب اللغة" 3/ 16 (عصر) نقله عنه بتصرف يسير، وانظر: "لسان العرب" 4/ 578 (عصر).]]. وقال البعيثُ [[تقدمت ترجمته في سورة القلم.]] في المعصرات، فجعلها سحائب ذوات مطر: وذي أُشُر كأقحوان تشوفُه ... ذهابُ الصبا والمعصرات الدوالح [[ورد البيت في (عصر) في "تهذيب اللغة" 2/ 16، "لسان العرب" 4/ 578.]] والدوالح: من نعت السحاب، لا من نعت الرياح، وهي التي أثقلها الماء [[هذا البيان لمعنى البيت من قول الأزهري، وتتمته: (قال: وهي التي أثقلها الماء، فهي تَدْلَح أي تمشي مشي المثقل، والذهاب: الأمطار. "تهذيب اللغة" 3/ 16 - 17.]]) [[ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة". المرجع السابق.]]. وقوله: ﴿ثَجَّاجًا﴾ الثج: شدة الانصباب، يقال: مطر ثجاج، ودم ثجاج أي: صباب [[انظر: مادة (ثج) في "مقاييس اللغة" 1/ 367، "لسان العرب" 2/ 221.]]. قال الأزهري: يقال: ثججته الماء، وأثججته فثج يثج، وقد ثججته أثج، وثَجَّ الماء ثجاً، ومطر ثجوج إذا انصب، وماء ثجاج شديد الانصباب، وقد ثبت أن الثج يكون لازماً بمعنى الانصباب، ويكون واقعًا بمعنى انصب [["تهذيب اللغة" 10/ 472 (ثج).]]. والثجاج في هذه الآية: المتدفق المنصب. قاله قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، "جامع البيان" 30/ 6، "زاد المسير" 8/ 163 هامش النسخة الأزهرية، وبمعناه في "معالم التنزيل" 4/ 437، "التفسير الكبير" 31/ 10، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493.]]، ومقاتل [["التفسير الكبير" 31/ 10، "زاد المسير" 8/ 163.]]. وقال أبو إسحاق: معنى ثجاج: صَبَّاب [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272 بنصه]]، وعلى هذا هو من الثج الواقع، كأنه يثج نفسه، أي يصب.