الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا
قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ وقرأ حمزة (لبثين فيها) [[وقرأ الباقون: (لابثين) بألف، وحجتهم: مجيء المصدر على (اللُّبْث) يدل على أنه من باب: شرب يشرب، ولقِم يلقَم، فهو: شارب، ولا قم. وليس من باب: فرق يفرق، ولو كان منه لكان المصدر مفتوح العين، فلما سكّن وقيل: اللُّبْث.= وجب أن يكون اسم الفاعل (فاعلاً) لما كان اللُّبْث كاللقم. انظر: "الحجة" 6/ 369، "حجة القراءات" 746، "الكشف" 2/ 359، "تحبير التيسير" 196، "المهذب" 2/ 32.]]، ....... وهما بمعنى واحد [[لبث: أصل يدل على تَمكُّث، يقال: لَبِثَ بالمكان أقام، واللَّبْث واللباث: الْمُكْثُ. وقد لَبِث يَلْبثُ لَبْثاً -على غير قياس-، فهو لابِثٌ، ولَبِثٌ. انظر (لبث) في "مقاييس اللغة" 5/ 228، "الصحاح" 1/ 291.]]، يقال: لابث، ولبث، مثل: طامِع، وطَمِعَ، وفارَه، وفره، وهو كثير. قاله الفراء [["معاني القرآن" 3/ 228.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273، وعبارته: (وَلَبثين: يقال: لبث الرجل، فهو لابث، ويقال: هو لبث بمكان كذا، أي صار اللبث شأنه).]]. وقوله: ﴿أَحْقَابًا﴾ (واحدها: حُقُب، وهو ثمانون سنة -عند أهل اللغة-، والحقب: السنون، واحدها: حِقْبة، وهي زمان من الدهر لا وقت له) [[ما بين القوسين نقله عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 4/ 73 (حقب)، وقد تضمن قولي الليث والكسائي. وانظر أيضًا المعنى اللغوي في (حقب) في "مقاييس اللغة" 2/ 89، "الصحاح" 1/ 114، "لسان العرب" 1/ 326.]]، ومنه قول متمم [[تقدمت ترجمته في سورة يوسف.]]: وكنَّا كَنَدْمانَيْ جّذِيمَةَ حِقْبَةً ... من الدَّهْرِ حتَّى قيلَ أنْ يَتَصّدَّعا [[ورد البيت في "المفضليات": تح: شاكر: 535 برواية: (لن يتصدعا)، ديوان "المفضليات" للضبي (535) برواية: (لن يتصدعا)، "جامع البيان" 30/ 10.]]. وذكرنا تفسير الحقب عند قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60]. قال عطاء عن ابن عباس [["جامع البيان" 30/ 11 مختصرًا جداً، "التفسير الكبير" 31/ 14، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 176، "الدر المنثور" 8/ 395 مختصرًا.]]، ومقاتل في قوله: (حقباً): الحقب الواحد بضع وثمانون سنة، والسنة: ثلاث مائة يوم وستون يوماً، اليوم: ألف سنة من أيام الدنيا [["التفسير الكبير" 31/ 14.]]. وروي عن علي أنه سأل هلالاً الهجري: ما تعدون الحقب فيكم؟ قال: نجده في كتاب الله مائة سنة، والسنة: اثنا عشر شهراً، والشهر: ثلاثون يوماً، واليوم: ألف سنة [["زوائد الزهد" لابن المبارك 90 ح: 318، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 342 بنحوه، وبرواية: ثمانون بدلاً من مائة، "جامع البيان" 30/ 11، بمثل رواية "تفسير عبد الرزاق"، "الكشف والبيان" 13/ 28/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 438 مختصرًا، "المحرر الوجيز" 5/ 426، "التفسير الكبير" 31/ 14، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 494 برواية: ثمانون سنة، وكذا في "الدر المنثور" 8/ 395 وعزاه إلى الفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 367.]]. وقال قتادة: الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، "جامع البيان" 30/ 11، "الدر المنثور" 8/ 394 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون [["الكشف والبيان" ج 13/ 28/ ب، "جامع البيان" 30/ 11 - 12، "النكت والعيون" 6/ 186 مختصرًا، "المحرر الوجيز" 5/ 426 مختصرًا، "التفسير الكبير" 31/ 14، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 176، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 494 مختصرًا، "الدر المنثور" 8/ 394 وعزاه إلى عبد حميد، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 389.]]. ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 228 مختصرًا.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273.]] في الحقب: (أنه ثمانون سنة، كل يوم منها مقدار ألف سنة من سني الدنيا. فإن قيل: الأحقاب وإن طالت، فإنها إلى انتهاء، وقد أخبر الله تعالى أنهم خالدون في النار؟ قيل: ليس في الأحقاب ما يدل على غاية، وإنما يدل على الغاية التوقيت، كقولك: خمسة أحقاب، أو عشرة أحقاب، فالمعنى: أنهم يلبثون فيها أحقاباً، كلما مضى حقب تبعه حقب آخر) [[ما بين القوسين: من قول الفراء، وقد ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 73، وذكر أيضًا في حاشية "معاني القرآن" 3/ 228، وانظر أيضًا "لسان العرب" 1/ 326 (حقب).]]. وهذا معنى قول الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة؛ بل قال: (أحقاباً)، فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر، كذلك إلى الأبد [["الكشف والبيان" ج 13/ 28/ أ - ب.]]. وقال أبو إسحاق: المعنى أنهم يلبثون أحقاباً لا يذوقون في الأحقاب برداً، ولا شراباً، وهم خالدون فيها أبداً، كما قال الله تعالى [[أي في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: 68]، وقد استشهد الزجاج بهذه الآية على قوله.]] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273.]]. وعلى هذا: الأحقاب توقيت لنوع من العذاب، وهو [مدمهم] [[غير مقروءة في (أ)، ولعلها [منهم].]] البرد، والشراب، لا لمقدار اللبث [[قال القرطبي -بعد عرضه للأقوال في معنى الأحقاب وتحديده- "هذه الأقوال متعارضة، والتحديد في الآية للخلود يحتاج إلى توقيف يقطع العذر، وليس ذلك بثابت عن النبي -ﷺ-، وإنما المعنى -والله أعلم- أي لابثين فيها أزماناً ودهوراً كلما مضى زمن يعقبه زمن، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبد الآبدين من غير انقطاع" "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 177. وهذا معنى قول الحسن. كما ذهب الشوكاني أيضًا إلى أن المقصود بالآية التأبيد لا التقييد. "فتح القدير" 5/ 366.]]. وقال الأزهري: والقول ما قاله الزجاج، وهو بين لا ثواب فيه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].