الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَقَالَ صَوَابًا
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وانتصب قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ بالظرف، والعامل فيه قوله: (يملكون) [[انظر: "الدر المصون" 6/ 468.]]. اختلفوا في الروح المذكور -هاهنا-، فروى مجاهد عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- قال: "هو جند من جند الله؛ ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد، وأرجل، يأكلون الطعام، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ فقال: هؤلاء جند، وهؤلاء جند" [[وردت هذه الرواية في "الكشف والبيان" 13/ 30/ ب، "زاد المسير" 8/ 167 مختصرًا، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496 بمعناه، "الدر المنثور" 8/ 399 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في العظمة، وابن مردويه، "روح المعاني" 30/ 20، وقد أوردها الماوردي عند تفسيره لآية سورة القدر ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ 6/ 313.]]. وهذا قول مجاهد [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 344، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 185، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496، "الدر المنثور" 8/ 399 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ في العظمة، "روح المعاني" 30/ 20.]]، وأبي صالح [[المراجع السابقة عدا "تفسير عبد الرزاق". وانظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 105 باب ما جاء في تفسير الروح، كتاب "الزهد والرقائق" لابن المبارك (464) ح 1316.]]، وقتادة، قال: هم خلق على صور بني آدم، كالناس، وليسوا بالناس [[بمعناه ورد في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 343، "جامع البيان" 30/ 23، "بحر العلوم" 3/ 441، "النكت والعيون" 6/ 190، "معالم التنزيل" 4/ 440، "فتح القدير" 5/ 370. وذهب أيضًا مجاهد، وأبو صالح إلى هذا القول. انظر المراجع السابقة عدا "النكت والعيون". وانظر: "الكشف والبيان" 3113/ أ، "زاد المسير" 8/ 167.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: الروح ملك من الملائكة، ما خلق الله مخلوقاً بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفاً، وقامت الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم [["النكت والعيون" 6/ 190 مختصرًا، "معالم التنزيل" 4/ 440، "زاد المسير" 8/ 168، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496 مختصرًا.]]. قال الشعبي: هو جبريل عليه السلام [["جامع البيان" 30/ 22، "معالم التنزيل" 4/ 440، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496.]]. وقال الحسن: الروح: بنو آدم [[المراجع السابقة بالإضافة إلى "زاد المسير" 8/ 168، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 392. قال ابن كثير: (وتوقف ابن جرير، فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها، والأشبه عنده -والله أعلم- أنهم بنو آدم". "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497، وانظر: "جامع البيان" 30/ 23 - 24.]]. وعلى هذا معناه ذوو الروح. وقوله: ﴿صَفًّا﴾ يجوز أن يكون المعنى: أن الروح على الاختلاف الذي ذكرنا، وجميع الملائكة يقومون صفاً واحداً. والصف في الأول مصدر، فينبني عن الواحد، والجمع كالعدل والزور، وظاهر قول المفسرين [[قال بذلك الحسن، والشعبي. انظر: "جامع البيان" 30/ 24، "النكت والعيون" 6/ 190، "زاد المسير" 8/ 168.]] أنهم يقومون صفين: الروح صف، والملائكة صف. وقال ابن قتيبة: صفوفاً، ويقال ليوم العيد: يوم الصف [["تفسير غريب القرآن" 511 بنصه.]]. وقوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الظاهر أن هذا من صفة الملائكة الذين يقومون صفاً. والمعنى: أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله، فمن أذن له الرحمن وقال: ﴿صَوَابًا﴾ تكلم. ومعنى الصواب: شهادة أن لا إله إلا الله في قول ابن عباس [["جامع البيان" 30/ 24، "النكت والعيون" 6/ 190، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 185، "الدر المنثور" 8/ 401، "الأسماء والصفات" 1/ 186.]]. والمفسرون قالوا: هو التوحيد، ونفي الشرك، وتنزيه الله عزَّ وجلَّ عن كل فرية [[حكى هذا القول ابن الجوزي عن أكثر المفسرين. انظر: "زاد المسير" 8/ 168.]]. والصواب هو السداد من الفعل والقول [[وعن ابن فارس: (الصواب أجل صحيح يدل على نزول شيء واستقراره قراره، من ذلك الصواب في القول والفعل، كأنه أمر نازل مستقر قراره، وهو خلاف الخطأ). "مقاييس اللغة" 3/ 317 (صوب).]]، يقال: فعل صواباً، وقال صواباً، وهو اسم من أصاب يصيب إصابة، كالجواب من أجاب يجيب إجابة [[ورد من قوله: والصواب إلى: يجيب إجابة: في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 186 من غير عزو.]]. ويجوز أن يكون الاستثناء من جميع الخلق على قول من قال: لا يملكون منه خطاباً للخلق كلهم، فاستثنى من ملك منهم الخطاب، وهو الذي يتكلم بإذنه، وقال في الدنيا صواباً، أي شهد بالتوحيد، وهم المؤمنون. وقال مقاتل: لا يتكلمون بالشفاعة، يعني الملائكة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي حقاً، وهو التوحيد، وهذا معنى قول ابن عباس، يريد: يشفعون لمن قال: لا إله إلا الله، وهذا قول بعيد، واللفظ لا يدل على هذا المعنى إلا باستكراه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي الكائن الواقع، يعني يوم القيامة. ويجوز أن يكون المعنى أن الشكوك زائلة في ذلك اليوم، وكل من يرتاب فيه عرف باطله، وأن ذلك اليوم الحق، فهو اليوم الحق عند كل أحد، وهذا معنى قول عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. ثم حض العباد على الطاعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي مرجعاً بالطاعة، أي فمن شاء رجع إلى الله بطاعته قبل ذلك اليوم، والظاهر أن فعل المشيئة مسند إلى (من). وقال عطاء عن ابن عباس: فمن شاء الله أن يهديه ﴿اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [[بنحوه في "التفسير الكبير" 31/ 26.]] ثم خوف كفار مكة فقال: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، ويدل على أن المراد عذاب الآخرة فقال: