الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا
قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)﴾ أجمعوا على أنهم الملائكة [[قال بذلك: قتادة، وابن عباس، وعبد الرحمن بن سابط، وعطاء، وعلي، ومجاهد، وأبو صالح، والحسن، والربيع ابن أنس، والسدي. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 345، "جامع البيان" 3/ 31، "معالم التنزيل" 4/ 442، "زاد المسير" 8/ 171، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 498. وحكى الماوردي هذا القول عن جمهور المفسرين: "النكت والعيون" 6/ 194، وقال ابن عطية: "فلا أحفظ خلافا أنها الملائكة". "المحرر الوجيز" 5/ 431، وحكى الإجماع الفخر الرازي في "التفسير الكبير" 31/ 29، ونقل القرطبي عن القشيري الإجماع، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 192. وقد ذكر الفخر الرازي رأيًا له -بعيدًا-، وهو أنها الأرواح، وأنها قد تدبر أمر == الإنسان في المنامات، وهو قول لا يعول عليه -كما ترى-، والذي يشهد له النص أنها الملائكة: قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)﴾، ووصف الله سبحانه الملائكة بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. نقلاً عن "أضواء البيان" 9/ 24. وعليه فحكاية الإجماع صحيحة من الواحدي، ونقرر بذلك ما أسلفنا ذكره من منهجه في حكايته الإجماع. والله أعلم]]. قال مقاتل: يعني جبريل، وميكال، وإسرافيل، وملك الموت يدبرون أمر الله في الأرض، وهم المقسمات أمرًا [[بياض في (ع).]]، [["تفسير مقاتل" 227/ أ، "التفسير الكبير" 31/ 29.]]. (أو نحو هذا) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. وقال [[في (ع): قال.]] عبد الرحمن بن سابط [[عبد الرحمن بن سابط الجمحي؛ تابعي، ذو مراسيل عن أبي بكر، وعمر، فقيه، ثقة. مات سنة 117 هـ. انظر: كتاب الثقات: 5/ 92، "تهذيب الكمال" 17/ 123: ت: 3822 ، "الكاشف" 2/ 146 ت: 3239.]] -وزاد بيانًا- فقال: أما جبريل فوكل [[في (أ): موكل.]] بالرياح، والجنود، وأما ميكائل فوكل [[في (أ): موكل.]] بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل [[في (أ): موكل.]] بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم [[بمعناه في "معالم التنزيل" 4/ 442، "زاد المسير" 8/ 171 - 172، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 192، "الدر المنثور" 8/ 405 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، "فتح القدير" 5/ 373.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله العمل بها، والوقوف عليها، بعضهم لبني آدم يحفظون، ويكتبون، وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف، والمسخ، والرياح والسحاب [[ورد قريب من معنى هذه الرواية، من طريق أبي المتوكل الناجي، عن ابن عباس في "الدر المنثور" 8/ 405 وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وبمثله في "التفسير الكبير" 31/ 29 من غير نسبة. وانظر روايته مختصرة في "الوسيط" 4/ 418.]]. وقول صاحب النظم غير مطرد في هذه الآية؛ لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير؛ مع أن السابقات ليست الملائكة في قول كثير من المفسرين. وقد أحكمنا الكلام في هذا في أول سورة الصافات [[سورة الصافات: 1 - 3: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. ومما جاء في تفسيرها، قال الواحدي: "وأما هذه الشفاعات هاهنا - وفي سورة الذاريات، والمرسلات، فـ"الفاء" في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول؛ بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به، و"الفاء" يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة. فـ"الفاء" -هاهنا- تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة، وفي هذه الآية يدل على أن الله -تعالى- ذكر القسم أولًا بـ: "الصافات"، ثم بـ: "الزاجرات"، ثم بـ: "التاليات". وذكر صاحب النظم أن "الفاء" -هاهنا- وما قبله سبب له، كما تقول: قام فمر، واضطجع فنام. فالقيام سبب للمرور، والاضطجاع سبب للنوم. وتأويل الآية: والتي تصف صفًا، فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر، والزجر سبب التلاوة. == قال: ويدل على هذا قوله: "والمرسلات عرفًا فالعاصفات عصفًا"، ثم استأنف قسما آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو، فقال: "والناشرات نشرًا". وهذه الواو واو قسم".]]. وقال أهل المعاني: إنما أقسم الله بهذه الأشياء للتنبيه على موقع العبرة؛ إذ القسم يدل على عظم شأن المقسم به [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وأما جواب هذه الأقسام، فقال الفراء: هي مما ترك جوابه لمعرفة السامعين [[أي أن جواب القسم مضمر محذوف.]]، وكأنه لو ظهر كان: لتبعثُنَّ، ولتحاسبُنَّ، ويدلك على ذلك قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: 11]، أي: أنبعث إذا صرنا عظامًا (نخرة) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، [["معاني القرآن" 3/ 331.]]. ونحو هذا قال الزجاج سواء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278. وهذا القول اختاره أيضًا أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 420، وضعف ما سواه من الأقوال في جواب القسم، ومن أراد الاستزادة في ذلك فليراجع ذلك في مواضعه من النكت العيون، "الجامع لأحكام القرآن"، "معاني القرآن" للأخفش، وغيرهم.]]. وقال مقاتل: أقسم الله بهؤلاء الملائكة أن النفختين كائنتان، بينهما أربعون سنة [[ورد بمعناه في "تفسير مقاتل" 227/ أ، ويعتبر قوله قولًا آخر لجواب القسم، ويعني به أن اللام التي تلقى بها القسم محذوفة من قوله: "يوم ترجف الراجفة" أي ليوم كذا تتبعها الرادفة، ولم تدخل نون التوكيد؛ لأنه قد فصل بين اللام المقدرة والفعل. قاله أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 420.]]، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6)﴾. (وهذا قول الأخفش [["معاني القرآن" 3/ 728.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، ويكون التقدير على هذا [[في (ع): لهذا.]]: النفختين في الصور نفختين، ودل على هذا المحذوف ذكر "الراجفة" و"الرادفة"، (وهما) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] النفختان. قال ابن عباس (في رواية عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله في "الوسيط" 4/ 419 من غير عزو.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 227/ أ.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] هي النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. قال مقاتل: وإنما سميت الراجفة؛ لأنها تميت الخلق كلهم. كقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: 78]، يعني الموت [["تفسير مقاتل" 227/ أ.]] -هذا كلامه-. وذكرنا في مواضع [[نحو ما جاء في سورة الأعراف: 78، 91، 155، وسورة العنكبوت: 37، وسورة المزمل: 14، وقد جاء في تفسير قوله: "يوم ترجف الأرض والجبال" المزمل: 14: أي تزلزل وتتحرك أغلظ حركة. راجع سورة المزمل: 14.]] أن الرجفة معناه الحركة، كقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ [المزمل: 14]. والراجفة -هَاهنا- ليست من الحركة فقط، ولكنها من قولهم: رَجَفَ الرعد يَرجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذلك تَرَددُ [[في (ع): ترد.]] هدهدَتِهِ [[هدهدته: الهدَّة: صوت شديد تسمعه من سقوط ركن، وناحية جبل، والهادُّ: صوت يسمعه أهل السواحل يأتيهم من قبل البحر له دويّ في الأرض، وربما كانت له الزلزلة، ودويُّه هَدِيدُه. انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 353 مادة: (هدد)، "الصحاح" 2/ 555 - 556 مادة: (هدد). "تقول العرب: رعدت السماء، فإذا زاد صوتها قيل: ارتجست، فإذا زاد قيل: أرْزمت ودوَّت، فإذا زاد واشتد قيل: قصفت وقعقعت، فإذا بلغ النهاية قيل: جلجلت وهَدْهَدت". "فقه اللغة" للثعالبي: 298.]] في السحاب [[في (ع): الساب.]]. ذكره الليث [["تهذيب اللغة" 11/ 43 مادة: (رجف). وقد ذكره الأزهري من غير أن يعزوه إلى الليث. وانظر: "لسان العرب" 9/ 113.]]. فالراجفة [[في (ع): فالرجفة.]]: صيحة عظيمة فيها تردد، واضطراب كالرعد إذا تمحص. أنشد ابن السكيت (قول الشاعر [[هو النابغة الذبياني.]] يصف الغيث) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: إذا رجَفَتْ فيها رحى [[في أ، وع: رحا.]] مُرْجَحَنَّةٌ ... تَبَعَّجَ ثجّاجًا غزير الحَوَافلِ [[ديوان النابغة الذبياني: 92، ط المؤسسة العربية للنشر، وهو برواية: "تبعق ثجاج غريرُ".]] قال: الرجف: الرعد، والرحى [[في أ، وع: رحا.]]: معظم [[في (ع): المعظم.]] السحاب [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال [[في (أ): وقول.]] مجاهد: يعني: تتزلزل الأرض والجبال [[بمعناه ورد في "جامع البيان" 30/ 32، "الكشف والبيان" ج 13: 35/ أ، "النكت والعيون" 6/ 195، "معالم التنزيل" 4/ 442، "الدر المنثور" 8/ 406 وعزاه إلى عبد بن حميد، والبيهقي في البعث.]]. وانتصب "يومًا" بإضمار اذكر [[ويجوز أن يكون ظرفًا لما دلَّ عليه راجفة أو خاشعة، أي يخاف يوم ترجف. انظر: إملاء ما من به الرحمن: 2/ 280، التبيان في "إعراب القرآن" للعكبري السابق: 2/ 1269.]]. وقال أبو إسحاق: "يوم" منصوب على معنى قوله: يومئذ واجفة يوم ترجف الراجفة، يعني أن التقدير: تجف القلوب [[في (أ): القلب.]] يوم ترجف الراجفة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278 بتصرف.]].