الباحث القرآني

یَوۡمَ یَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِیهِ
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، أي لا يلتفت إلى واحد من أدانيه [[أدانيه: أقاربه، والدَّاني: القريب. "الصحاح" 6/ 2341: (دنا).]]؛ لعظم ما هو فيه. وقال أبو علي: ليس يراد بالفرار -هاهنا- الشراد، ولا النفار [[شرد البعير والدابة، يَشْرُدُ شردًا، وشِرادًا: وشرودًا: نفر، فهو شارد، والجميع: شُرُد، وشرود -في المذكر والمؤنث-، والجمع: شُرُد، والشريد الهارب، == والاسم: الشراد. (شرد): "لسان العرب" 3/ 237، "المصباح المنير" 1/ 365. والنَّفار: النَّفْرُ: التفرق، نَفَرَت الدابة تَنْفِرُ، وتَنْفُرُ نِفارًا، ونفورًا، يقال: في الدابة نِفار، والاسم: النفار، والإنفار عن الشيء، والتنفير، والاستنفار: كله بمعنى، ومنه: "حمر مستنفرة" أي مذعورة. انظر: (نفر) في: "الصحاح" 2/ 833، "لسان العرب" 5/ 224.]]، ولكن المعنى: يوم يفر المرء من موالاة أخيه، أو من مساءلة [[في (أ): مسألة.]] أخيه؛ لاهتمامه بشأنه، وأنت تقول لمن تكلم [[بياض في (ع).]]: فررت مما ألزمك [[في (ع): لزمك.]]، لا تريد بذلك نفارًا في المحل [[يراد به الظرف.]]، فأما الفرار من موالاته يدل عليه قوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾. [البقرة: 166] وأما الفرار من نصرته، [فيدل] [[في كلا النسختين: فيدخل، وأثبت ما يستقيم به المعنى. والله أعلم.]] عليه: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: 41]. وأما المساءلة يدل عليه قوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: 10] [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثل قوله مختصرًا، ولكن من غير عزو في "التفسير الكبير" 31/ 65.]] قوله (تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من: ع.]]: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ قال المفسرون [[قال بذلك: ابن زيد: شأن قد شغله عن صاحبه. "جامع البيان" 30/ 62. وبه قال أيضًا الفراء في: "معاني القرآن" 3/ 238، والثعلبي في: "الكشف والبيان" == ج 13/ 42/أ. وانظر هذا القول أيضًا في: "معالم التنزيل" 4/ 449، "زاد المسير" 8/ 186، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 222. وهذا القول دل عليه حديث عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -ﷺ- قال: "يبعث الناس يوم القيامة حُفاة عُراة غُرلًا، فقالت عائشة: فكيف بالعورات؟ قال: "لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه". "سنن النسائي" 4/ 421 ح: 2082: كتاب الجنائز: باب: 18، "المستدرك" 2/ 515: ك التفسير: تفسير سورة عبس، وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي.]]: لكل إنسان منهم شأن (يغنيه) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، يشغله عن الأقرباء. قال ابن قتيبة: يغنيه: أي [[في (أ): أن.]] يصرفه، ويصده عن قرابته، وأنشد [[لم ينشده ابن قتيبة، وهو منسوب إلى خفاف بن ندبة.]]: ستغنيك حرب بني مالك ... عن الفحش والجهل في المحفل [[ورد البيت منسوبًا إلى خفاف في: "الكشف والبيان" ج 13: 42/ أ، "التفسير الكبير" 31/ 65، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 223، ولم أجده في ديوان خفاف بن ندبة السلمي.]] قال: أي: سيشغلك، ويقال: اغنِ عني وجهك، أي [اصرفه [[وردت في النسختين: صرفه، وأثبت ما جاء عند ابن قتيبة لسلامة اللفظ.]]]. [["تفسير غريب القرآن" 515 بنحوه.]] وقال أهل المعاني: معنى يغنيه: يكفيك [[في (ع): يكفيكه.]] عن زيادة عليه من الاهتمام لغيره. أي: ليس فيه فضل لغير ما هو فيه من الأمر الذي قد اكتنفه، وما أصدره، فصار حاله كحال الغني عن الشيء في أن نفسه لا تنازع إليه [[بمعنى هذا قال الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 287، وعبارته: أي شأن لا يهمه معه غيره، وكذلك يغنيه لا يقدر مع الاهتمام به على الاهتمام بغيره. قال الأزهري: وأما الغناء -بفتح الغين والمد- فهو الإجزاء والكفاية، يقال: رجل مُغْن أي مجزئ كاف، ومنه قوله: "لكل امرئ منهم شأن يغنيه"، يقول: يكفيه شغل نفسه عن شغل غيره. "تهذيب اللغة" 8/ 201 - 202: (غنا)، وانظر: "لسان العرب" 15/ 138: (غنا).]].
  1. أدخل كلمات آية ما لتظهر نتئاج.