الباحث القرآني

ثم أخبر عنه فقال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [[﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾.]]، قال أبو إسحاق: الرفع [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: "يومُ لا تملك" بضم الميم، ووافقهم ابن محيصن واليزيدي، وقرأ الباقون: "يومَ لا تملك" بفتح الميم. انظر: "الحجة" 6/ 383، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 364، "تحبير التيسير" 198، "إتحاف فضلاء البشر" 435.]] في "يوم" على الصفة لقوله: ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ -قال- ويجوز أن يكون رفعًا بإضمار "هو" فيكون المعنى: هو يوم الدين يوم لا تملك، -قال- ويجوز أن يكون في موضع رفع، وهو مبني على الفتح لإضافته إلى قوله: "يوم لا تملك" ومَا أضيف إلى غير المتمكن [[الغير المتمكن هو المبني وهو خلاف المعرب وهو وصف للكلمة التي تلازم حالة واحدة ولا يتغير آخرها بتغير العامل السابق لها، "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" 27.]] قد يبنى على الفتح، وإن كان في موضع رفع أو جر كما قال: لم يَمْنَع الشُّرْبَ مِنَهم غَيْرَ أن نَطقَتَ ... حَمَامَةٌ في غصُون ذاتِ أوْ قَالِ [[ورد البيت في: ديوان أبي قيس صيفي بن الأسلت الاوسي الجاهلي: 85: تح: د. حسن جودة، و"الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين" 1/ 287، واستشهد به سيبوبه في "كتابه": 2/ 329 وعزاه إلى الكناني، وقد شرحه البغدادي في "الخزانة" 2/ 45 وج 3/ 144 - 152، ونسبه: لأبي قيس الأسلت، واستشهد به ابن هشام في "مغني اللبيب" 1/ 268: ش 260، و"الأمالي" لابن الشجري: 46/ 1 وج 2/ 264، "شرح المفصل" لابن يعيش: 3/ 80 وج: 8/ 135، "الهمع" 3/ 333: ش 870، "الأصول في النحو" السراج: 1/ 298 وانظر أيضًا: "لسان العرب" 11/ 734: (وقل)، "كتاب شرح أبيات سيبويه للنحاس": 147: ش 517، "التفسير الكبير" 31/ 87، وفي جميعها برواية "منها" بدلًا من "منهم".= ومعنى البيت: يقول الشاعر لم يمنعنا من التعريج على الماء إلا صوت حمامة ذكرتنا من نحب فهيجتنا وحثتنا على السير. والشاهد في قوله غير أن نطقت فإن الرواية فيه بفتح غير مع أنها فاعل لقوله لم يمنع فدل ذلك على أنه بناها على الفتح. انظر: كتاب "الإنصاف" 1/ 288 - حاشية-.]] فبنى [[في (أ): فبنا.]] ("غير" على) [[على غير: هكذا وردت في النسختين ولا تستقيم العبارة بذلك، فأثبت الترتيب الصحيح الذي به يفهم الكلام.]] الفتح لما أضيف [[في (ع): أضاف.]] إلى قوله نطقت -قال- وجائز أن يكون نصبه على معنى هذه الأشياء المذكورة فيكون [[في (ع): يكون]] يوم لا تملك نفس لنفس شيئا [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 396.]]. وذكر أبو علي وجهًا آخر للنصب وهو: أن اليوم لما جرى في أكثر الأمر ظرفًا ترك على مَا كان يكون عليه في أكثر أمره، والدليل على ذلك: ما اجتمع عليه القراء، والعرب في قولهم: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: 168]، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: 11]، ولا يرفع ذلك أحد، ومما يقوى النصب قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة: 3 - 4] وقوله: ﴿يَسْأَلُونَ [[في (أ): يسئل.]] أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ [[في (ع): يومهم.]] هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: 12 - 13]، فالنصب في ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾ مثل هذا. قال أبو الحسن [[أي الأخفش.]]: ولو رفع ذلك كله كان جيدًا [[من قوله: إن اليوم لما جرى إلى كله كان جيدًا: من قول أبي علي، انظر: "الحجة" 6/ 383 - 384 بيسير من التصرف.]] والذي ذكر أبو إسحاق من البناء على الفتح إنما يجوز أن يكون ذلك عند الخليل، وسيبويه، إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي نحو: على حين عاتبت [[البيت للنابغة الذبياني، والبيت كاملاً: على حين عاتبتُ المشيبَ على الصِّبا ... وقلت ألَمَّا أصْحُّ والشيبُ وازعُ وقد ورد في: "ديوانه": 79 ط. بيروت، "الأمالي" لأبي على القالي 1/ 26، ج 2/ 132 و264، "شرح المفصل" 3/ 16، 81 ج 4/ 81، ج 8/ 136، "الإنصاف في مسائل الخلاف" 1/ 292، "مغني اللبيب" 1/ 205 ش 762، كتاب شرح أبيات سيبويه: 147، "جامع البيان" 30/ 90، "شرح أبيات معاني القرآن" 212/ ش 477. موضع الشاهد: أنه فتح "حِيْنَ" وبناها على الفتح، وهي في موضع جر، لأنه أضافها إلى شيء غير متمكن، وهو الفعل الماضي: عاتبت. المعنى: يريد أنه عرف الديار التي قد حل بها، وتذكر من كان يهواه، فبكى وعاوده وجده، فخاطب نفسه، فقال: ألمَّا تصْح! يوُبخ قلبه، أي: قد آن أن تصحو ويزول عنك ما كنت تجده بمن كنت تهواه، والشيب كاف عن أمثال هذا الفعل الذي تفعله. "شرح أبيات معاني القرآن" 213 وانظر الكلام في هذه المسألة: "كتاب سيبويه": 2/ 329 - 330.]] ومع الفعل المستقبل لا يجوز البناء عندهم ويجوز ذلك في قول الكوفيين [[انظر: "الإنصاف في مسائل الخلاف" 1/ 287.]] -وقد ذكرنا هذه المسألة [[بياض في (ع).]] عند قوله: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ} [[سورة المائدة: 119، قد وردت المسألة مطوله جدًا، واختصرت هنا في سورة الانفطار.]]، قال مقاتل: يعني لا تقدر نفس لنفس، يعني للكفار شيئا من المنفعة [["تفسير مقاتل" 231/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 457، "زاد المسير" 8/ 198، "البحر المحيط" 8/ 437، قال ابن الجوزي: قال المفسرون: ومعنى الآية أنه لا يملك الأمر أحد إلا الله ولم يملك أحدًا من الخلق شيئًا كما ملكهم في الدنيا، وكان مقاتل يقول وساق قوله والقول على الإطلاق أصح؛ لأن مقاتلًا -فيما أحسب- خاف نفي شفاعة المؤمنيين، والشفاعة إنما تكون عن أمر الله وتمليكه، "زاد المسير" 8/ 198.]]. قوله تعالى [[ساقط من: ع.]]: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، قال: يقول: لا يملك الأمر غيره وحده، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا [[بياض في (ع).]] أو يصنع شيئًا إلا الله رب العالمين [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 354، "جامع البيان" 30/ 98، "الدر المنثور" 8/ 440 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. والمعنى: أن الله تعالى لم يُمَلِّك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.