الباحث القرآني

فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ
فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ قال ابن عباس: فعظ إنما أنت واعظ [[بياض في (ع).]] [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثل قوله من غير عزو في "النكت والعيون" 6/ 262، "لباب التأويل" 4/ 373.]]، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، ويدل عليه قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال. (هذا قول جميع المفسرين) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] [[عزاه الفخر إلى جميع المفسرين في "التفسير الكبير" 31/ 160، وقال بالنسخ أيضًا ابن زيد في: "الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر: 296، وهبة الله بن سلام في: "الناسخ والمنسوخ" 197، وابن البارزي في: "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" 58. وممن قال بنسخها الزجاج في "معاني القرآن" 5/ 319، السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 474، الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 81 ب. وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 480، "المحرر الوجيز" 5/ 475، "زاد المسير" 8/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 37، "لباب التأويل" 4/ 373، "فتح القدير" 5/ 431. وقال ابن الجوزي في قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ قيل: نسخت بآية السيف، وقيل: معناها لست عليهم بمسلط فتكرههم على الإيمان، فعلى هذا لا نسخ. انظر: "المصفى بأكف أهل الرسوخ" 59، و"نواسخ القرآن" 252، وكلاهما لابن الجوزي. قلت: الآية ليس فيها ما يدل على التعارض المؤدي إلى نسخها، وحديث جابر بن عبد الله فيه دلالة على أن الآية ليست منسوخة، والحديث عن جابر بن عبد الله قال: قال: رسول الله -ﷺ-. أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، ثم تلا رسول الله -ﷺ- ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، والحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" 1/ 324: ح: 35 كتاب الإيمان: باب 8، والنسائي في "سننه" 3/ 519 - 520: ح: 690، والترمذي في "سننه" 5/ 441: ح: 3341: كتاب تفسير القرآن: باب 78، قال عنه حديث حسن صحيح.]]، والكلام في تفسير هذا الحرف قد تقدم عند قوله: ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [[سورة الطور: 37.= وقد ورد في تفسيرها قوله: "أهم المسيطرون" أي الأرباب المسلطون، ومصدره من التسطير، وقد قال المفسرون في تفسير هذا الحرف: المسلطون الجبارون، الأرباب القاهرون، كل هذا من ألفاظهم. والمعنى: أم هم الأرباب، فلا يكونوا تحت أمر ونهي يفعلون ما شاءوا.]]، ومثل هذه الآية قوله: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ} [ق: 45] الآية. ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ ذكر الفراء في الاستثناء الوجهين: أحدهما: أن يكون مستثنى من الكلام الذي [كان] [[هو: في كلا النسختين، ولا يستقيم الكلام بها، وأثبت ما جاء في المعاني.]] التذكير يقع عليه، وإن لم يُذَكر كما تقول: اذهب، وعظ، وذكّر إلا من لا (تطمع) [[تطعم: في كلا النسختين، وهو ظاهر الخطأ، وأثبت ما جاء في المعاني لاستقامة المعنى به.]] فيه، وعلى هذا معنى الكلام فذكر ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى﴾. الوجه الثاني: أن يكون منقطعًا عما قبله، كما تقول في الكلام: قعدنا نتذاكر الخير؛ إلا أن كثيرًا من الناس لا يرغب، فهذا المنقطع. وقال: وتعرف المنقطع من الاستثناء بحُسْن "إن" في المستثنى (فإذا كان الاستثناء) [[ما بين القوسين ساقط من النسختين، وأثبت ما جاء في المعاني.]] محضًا متصلًا لم يحسن فيه "إن"، ألا ترى أنك تقول: عندي مائتان إلا درهمًا، فلا تدخل [[في (أ): إلا، وهو حرف زائد في السياق.]] "إن"، وهَاهنا يحسن "إن" بأن يقول: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ﴾ [["معاني القرآن" 3/ 259 بتصرف.]] وذكر بعض النحويين [[قال ذلك النحاس في: "إعراب القرآن" 5/ 215، وانظر أيضًا: البيان في "إعراب القرآن" لابن الأنباي: 2/ 510، التبيان في "إعراب القرآن" 2/ 1284، "الدر المصون" 6/ 514.]] أن هذا الاستثناء يجوز أن يكون عن الضمير في "عليهم" على تقدير: لست عليهم بمسيطر إلا على من تولى (وكفر) [[ساقط من (ع).]] وهذا ليس بالسهل؛ لأن النبي -ﷺ- ما كان حينئذ مأمورًا بالقتال، ولا مسلطًا على أحد. والمعنى: إلا من أعرض عن الإيمان، وجحد ربوبيتي. قاله مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وعطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ قال الكلبي: يدخله النار [[لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله من غير نسبة في "زاد المسير" حاشية 8/ 236.]]. وقال مقاتل: لا عذاب أعظم من النار، وهو أكبر من الجوع الذي أصابهم، والقتل ببدر [[لم أعثر على مصدر لقوله، وورد بمثله من غير عزو في "الكشف والبيان" 13/ 82 أ، "معالم التنزيل" 4/ 480، "المحرر الوجيز" 5/ 475، "زاد المسير" 8/ 236، "لباب التأويل" 4/ 374.]]. ثم ذكر أن مرجعهم إليه فقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أي رجوعهم ومصيرهم بعد الموت، آب، يؤوب، إيابًا، وأوْبًا [[راجع ذلك في "تهذيب اللغة" 15/ 607 (آب)، "لسان العرب" 1/ 217 - 218 (أوب).]] قال [[بشر بن أبي خازم يخاطب ابنته عميرة وهو يجود بنفسه لما أصابه سهم من غلام وائلة.]]: فرجِّي الخيرَ وانتظري إيابي ... إذا مالقارظ العَنزي آبَا [[انظر: (قرظ) في "تهذيب اللغة" 9/ 67، "الصحاح" 3/ 1177، "لسان العرب" 7/ 455، "تاج العروس" 5/ 259.]] وأما "إيابهم" بتشديد "الياء"، فإنه شاذ [[قرأ بذلك أبو جعفر يزيد، انظر "المحتسب" لابن جني 2/ 357، "مختصر في شواذ القرآن" لابن خالويه 172، "النشر" 2/ 400، "الإتحاف" 438، "التحبير" 199، وقرأ الباقون بتخفيفها. "النشر" 2/ 400، "الإتحاف" 438، "التحبير" 199.]]، ولم أر أحدًا أجازه غير الزجاج، فإنه قال: (يقال) [[ساقط من (أ).]] أيّب إيّابًا على فَيْعَل فِيْعالاً، والأصل إيوابًا فأدغمت "الياء" في "الواو"، وانقلبت "الواو" إلى "الياء"؛ لأنها سبقت بسكون [["معاني القرآن" 5/ 319 بنحوه.]]. هذا كلامه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ قال عطاء: يريد جزاؤهم [["تفسير مقاتل" 238 ب.]]. وقال مقاتل: يعني جزاءهم بعد المرجع على الله [["زاد المسير" 8/ 236 مختصر جدًا.]] كقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء: 113]. بمعنى جزاءهم. تمت