الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي كان مقتحم العقبة، وهو فاك الرقبة، والمطعم من الذين آمنوا، فإنه إن لم يكن منهم لم ينفعه قربة، لإحباط الكفر لها. فإن قيل: أليس من شرط صحة هذا القرب، ووقوعها من الله بمكان القبول: الإيمان؟ فهلا قدم الإيمان عليها، وثم للتراخي، فقدله: "ثم كان" يوجب الإيمان إذا تراخى عن هذا القرب صحت دونه؟! والجواب عن هذا أن يقال: هذا التراخي في الذكر، لا في الوجود والترتيب [[انظر تفصيل القول في المسألة في "مغنى اللبيب" 1/ 197.]]؛ لأن المعنى أنه فعل هذه الأشياء وهو مؤمن معها. وكذا ذكر المفسرون [[قال بذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 99 أ.]]، فقالوا: ثم كان مع ذلك من الذين آمنوا، وقد قال: إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوُهُ ... ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدّهْ [[البيت لأبي نواس الحسن بن هانئ، وهو في "ديوانه" 493 برواية: قلْ لمنْ سادَ ثُم سَادَ أبوُه ... قَبْله ثم قبلَ ذلك جَدّه وورد البيت غير منسوب في: "التفسير الكبير" 31/ 187، و"مغنى اللبيب" == 1/ 197 ش 174، "غرائب التفسير" 1/ 260.]] لم يرد بقوله: ثم ساد التأخير، وإنما المعنى: ثم اذكر أنه ساد أبوه، كذلك في الآية، على أنه يجوز أن يحمل على الظاهر بمعنى: ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا، وهو أن يموت مؤمنًا، فإن من كان موافاته على الإيمان نفعته القرب، ومن لا، فلا، ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن من أتى هذه القرب تقربًا إلى الله، وابتغاء وجهه، وهو غير مؤمن بمحمد -عليه السلام - ثم آمن به (أجر) [[ساقط من (ع).]] على ما سلف له من الخير. يدل على صحة هذا ما روي أن حكيم بن حِزام بعد ما أسلم، قال لرسول الله: "إنا كنا نتحنث [[التَحَنَّث: أي تعبَّد واعتزل الأصنام. "الصحاح" 1/ 280 (حنث)، وانظر: القاموس المحيط: 1/ 165 (حنث). وجاء في "فتح الباري": التحنث: "الإحسان" وعمل الخير من الحنث، وهو الإثم، يقال: تحنث أي ألقى عنه الإثم. 3/ 302.]] بأعمال في الجاهلية، فهل لنا فيها شيء؟ " فقال رسول الله -ﷺ-: "أسلمت على ما قدمت من الخير" [[الحديث أخرجه البخاري 1/ 443، 444 ح 1436 كتاب الزكاة، باب 24، واللفظ كما هو عند البخاري: عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أتحنَّثُ بها في الجاهلية؛ من صدقة، أو عَتاقة، ومن صلة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبي -ﷺ-: "أسلمت على ما سلف من خير". كما ورد أيضًا في المرجع السابق: 2/ 119 ح 2220: كتاب البيوع، باب 100، و2/ 218 ح 2538: كتاب العتق، باب 12، و4/ 90 ح 5992: كتاب الأدب. قال المازني: ظاهره: أن الخير الذي أسلفه كتب له، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير. وأخرجه مسلم 1/ 113 - 114: ح 194، 195 كتاب الإيمان، والإمام أحمد 3/ 402. == وانظر: " التفسير الكبير" 31/ 187، و"البحر المحيط" 8/ 476، و"فتح القدير" 5/ 445.]]. وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. أي على فرائض الله وأمره. قاله ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في: "معالم التنزيل" 4/ 491، و"زاد المسير" 8/ 255، و"لباب التأويل" 4/ 381.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 241 أ، وقد ورد بمثله عن هشام بن حسام ذكره السيوطي في: "الدر المنثور" 8/ 526.]]. (قوله) [[ساقط من: (ع).]]: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ فالأمر فيما بينهم، والتراحم لليتيم، والمسكين، والضعيف. وهذا من صفة أصحاب النبي -ﷺ- أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، أي كان من الجملة الذين هذه صفتهم. ثم ذكر أن هؤلاء منهم فقال: