الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (أي إلا طلب ثواب الله) [[ما بين القوسين من قول الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337.]] قال أبو عبيدة: "إلا ابتغاء" [[في (أ): (ابتغاء)، وغير واضحة في (ع)، وأئبت ما غلب على ظني صحته. والله أعلم.]] استثناء من النعمة، كما يُستثنى الشيء وليس منه [["مجاز القرآن" 2/ 30 بنحوه.]]. قال الفراء: وهذا على اختلاف ما قبل "إلا" ومَا بعدها، والعرب تقول: مَا في الدار أحد إلا أكلبًا وأحمرةً، وهذا كقوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: 157] كقول [[في (ع): (وكقول).]] النابغة: .. .. وما بالرَّبعِ من أحدِ إلا الأواريَّ [[لم يذكر الفراء قول النابعة بل استشهد بقول عامر بن ثابت جران العود: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس واستشهد ببيت النابغة عند تفسيره الآية 14 من سورة النساء، وآية 98 من سورة يونس: "معاني القرآن" 1/ 288، 480 من مطلع قصيدة يقول فيها: يا دارَ مَيَّةَ بالعلياءِ فالسَّنَدِ ... أقوتْ وطالَ عليها سَالفُ الأبَدِ ثم يقول: وَقَفْتُ فيها أصَيْلانا أسائِلها ... عَيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْع من أحَدِ إلا الأوَارِيّ لأيا ما أبينها ... والنُؤىُ كالحْوضِ بالمظلُومَة الجَلدِ "ديوانه" ص 30، المؤسسة العربية. كما ورد في "الأصول في النحو" للسراج 1/ 292. موضع الشاهد "الأواري" استثناه من "الناس" على البدل، وأصله من الاستثناء المنقطع، فأوجب نصبه على لغة الحجاز، وقد جمع فيها ثلاثة أحرف للنفي: إن، ولا، وما، ومعنى البيت: وصف أنه مَرَّ بالدار عشيًا قصيرًا، فوقف فيها وسألها عن أهلها، وأصيلان: تصغير أصيل، وهو بالعشي، وعيت جوابًا: أعيت بالجواب، فلم تجبني، والربع: منزل القوم، والأواري: محابس الخيل، والنؤْيُ: حاجز من تراب يوضع فوق الخباء لئلا يدخل السيل، والمظلومة: الأرض التي لم تمطر فجاءها السيل فملأها، والجَلَدٌ: الأرض الصلبة، واللأى البطء. "شرح أبيات معاني القرآن" ص 117 ش 245 - 246.]] وهي لغة أهل الحجاز [["معاني القرآن" 3/ 273 بتصرف.]]. وذكر الفراء وجهًا آخر، وهو: أن يضمر الإنفاق على تقدير: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، وهذا كقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 272] [["معاني القرآن" 3/ 273 بتصرف.]]. وقد مر. ومعنى ﴿الْأَعْلَى﴾: الأجل بصفاته التي لا يوارى فيها، فهو الأقدر، الأغلب الأظهر بالحجة والقوة [[هذا قصر من الواحدي للآية على بعض معانيها، وما ذكره حق، ولكنه أغفل بناء على مذهبه الأشعري ما دلت عليه الآية من إثبات العلو لله تعالى؛ أي علو الذات، كما دلت النصوص المتواترة على ذلك، فهو تعالى فوق خلقه على العرش استوى. والذي ينبغي عليه في الإيمان بأسماء الله وصفاته لتسلم عقيدته يلزمه أمران: أحدهما: إثبات تلك الصفات؛ لأنها وردت في الكتاب والسنة، فقد صار مصدرهما الوحي، لأن هذا الإثبات لها هو لازم الإيمان. والثاني: هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى ليس له شبيه ولا مثيل فيما يتصف به من تلك الصفات، وهذا أيضًا تحقيق لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وأن الانطلاق من هاتين القاعدتين في باب الأسماء والصفات، هو المسلك الصحيح، والمنهج السليم، وبه يتحقق الاتباع الكامل، والانقياد الحق، والاستجابة الواعية لما قاله الله تعالى، أو نطق به النبي -ﷺ- وإن أي مساس بهاتين القاعدين يوصل إلى انحراف خطير في فهم أخطر قضية من قضايا الاعتقاد في باب أسماء الله وصفاته. نقلًا عن: علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين د. رضا نعسان ص 11. وعليه فتفسير الأعلى من هذه السورة على ضوء الكتاب والسنة على هذا النحو الآتي: قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 254]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: 13]، وذلك دال على أن جميع معاني العلو ثابتة لله من كل وجه، فله علو الذات، فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى، أي علا وارتفع، وله علو القدر، وهو علو صفاته وعظمتها، فلا يماثله صفة مخلوق؛ بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وبذلك يعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته، وله علو القهر فإنه الواحد القهار الذي قهر بعزته وعلوه الخلق كلهم، وذلك لكمال اقتداره ونفوذ مشيئه، وشدة افتقار المخلوقات كلها له من كل وجه. == "شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة" ص 78 - 80. وانظر: "الحق الواضح" ص 26، و"شرح القصيدة النونية" للهراس 2/ 68. مما سبق شرحه، وبالمقابلة مع قول الإمام الواحدي يدل على أن الواحدي أثبت علو القدر فقط، والذي ينبغي عليه إثبات العلو بأنواعه الثلاثة. والله أعلم.]]. ثم وعد أبا بكر أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قال ابن عباس: يعطيه الله في الجنة حتى يرضى [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله من غير عزو في: "معالم التنزيل " 4/ 497، و"لباب التأويل" 4/ 385.]]. وقال مقاتل: يرضى بثواب الله في الآخرة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وقال أبو إسحاق أي: سيدخل الجنة كما قال: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 29 - 30] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 337.]].