الباحث القرآني

وَوَجَدَكَ ضَاۤلࣰّا فَهَدَىٰ
﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ قال ابن عباس (في رواية عطاء) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ووجدك ضالًا عن النبوة فهداك بالنبوة إلى أرشد الأديان وأحبها إليه [[ورد معنى قوله في: "التفسير الكبير" 31/ 216.]]. وقال الحسن [["الكشف والبيان" 13/ 109/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 499، بمعناه في: "المحرر الوجيز" 5/ 494، و"زاد المسير" 8/ 269 وعزاه إلى الجمهور، و"التفسير الكبير" 31/ 216، و"تفسير الحسن البصري" 2/ 246.]]، والضحاك [[المراجع السابقة عدا تفسير الحسن، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 96.]] (وشهر بن حوشب) [["الكشف والبيان" 13/ 109 أ، و"التفسير الكبير" 31/ 216، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 96.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ووجدك ضالَا عن معَالمِ النبوة وأحكام الشريعة غافلًا عنها فهداك إليها. دليله قوله ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3] وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]. وهذا مذهب أرباب الأصول، وعلماء أصحابنا [[يعني بهم جهابذة متكلمي عصره من الأشاعرة؛ كشيخه أبي إسحاق الأسفرابيني. انظر: "الواحدي ومنهجه في التفسير" د. جودت المهدي ص 143.]] على أن رسول الله -ﷺ- ما كان كافرًا قط [[من أصحابه الذين قالوا بعصمتهم صلوات الله عليهم من الوقوع بالكفر: الباقلاني: إذ أن قد استدل على ذلك بأنه لم يذكر أهل التواريخ أنه كان مشركًا حين بعثه الله، وإنما بعث من كان تقيًا نقيًا زاكيًا أمينا مشهور النسب، حسن التربية. انظر: "المسامرة في شرح المسايرة" 1/ 81 وانظر: "القرطبي" م 8/ ج 16 ص60. وأبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، وهو من علماء الأشاعرة. قال: أجمع أصحابنا على وجوب كون الأنبياء معصومين بعد النبوة عن الذنوب كلها، وأما السهو والخطأ فليس من الذنوب، فلذلك ساغ عليهم ... وأجازوا عليهم الذنوب قبل النبوة، وتأولوا على ذلك كل ما حكي في القرآن من ذنوبهم. إلخ. كتاب "أصول الدين" ص 167 - 168. وقال السفاريني: لم يكن النبي -ﷺ-على دين سوى الإسلام، ولا كان على دين قومه قط؛ بل ولد النبي -ﷺ-مؤمنًا صالحًا على ما كتبه الله وعلمه في حاله. "لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية شرح الدرر المضية" ص 305. وقال القاضي عياض: والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته، والتشكك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة، منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان .. "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى" للقاضي عياض 2/ 719. وقال الحافظ من رجب: بل يستدل بحديث العرباص بن سارية على أنه -ﷺ- ولد نبيًا، فان نبوته وجبت له من حين أخذ الميثاق حيث استخرج من صلب آدم حينئذ؛ لكن كانت مدة خروجه إلى الدنيا متأخرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه نبيًا قبل خروجه، كمن يولي ولاية، ويؤمر بالتصرف فيها زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته، وإن كان تصرفه متأخرًا إلى حين مجيء الوقت. "لطائف المعارف" ص 83، وانظر: "لوامع الأنوار" 306. كما ذهب إلى القوم بالعصمة الألوسي في: "روح المعاني" 7/ 199، وأيضًا الإمام الشنقيطي في "أضواء البيان" 2/ 201، وللاستزادة في هذه المسألة يراجع في ذلك: "منهج السفاريني في أصول الدين" إعداد: رجاء بنت عبد القادر الجويسر رسالة ماجستير غير منشورة إشراف الدكتور محمد السمهري 2/ 357 وما بعدها.]]. واختار أبو إسحاق (أيضًا) [[ساقط من: (أ).]] هذا القول فقال: معناه أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن وشرائع الإسلام [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 339 - 340 بنصه.]]. وذكرنا جملة من الكلام في هذا المعنى عند قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [[سورة الشورى: 52، ومما جاء في تفسيرها: قال الإمام الواحدي: قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ قبل الوحي، ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ اختلفوا في هذا مع إجماع أرباب الأصول على أنه لا يجوز على الرسل قبل الوحي أن لا يكونوا مؤمنين، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن المراد بـ: "الإيمان" هاهنا شرائعه ومعالمه. وهي كلمة يجوز أن تسمى إيمانًا، واختار إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة هذا القول، وخصه بالصلاة محتجًا من باب حذف المضاف، فجعل التقدير: ولا دعوة الإيمان، لأنه كان قبل الوحي ما كان يقدر ما الكتاب، ولا أفعال الإيمان، يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن. وجعل أبو العالية التقدير: ولا دعوة الإيمان، لأنه كان قبل الوحي ما كان يقدر أن يدعو إلى الإيمان بالله، وذهب بعض أهل المعاني إلى التخصيص بالوقت فقال: المعنى: ولا ما الإيمان قبل البلوغ.]] وجرى بعض المفسرين على ظاهر الآية، فقال الكلبي: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾. يعني كافرًا في قوم ضلال فهداك للتوحيد [["الكشف والبيان" 13/ 108 ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 494 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 269، و"التفسير الكبير" 13/ 216، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 97 بمعناه، و"فتح القدير" 5/ 458.]]. وقال السدي: كان على أمر قومه أربعين سنة [[ورد معنى قوله في المراجع السابقة. وانظر أيضًا: "جامع البيان" 30/ 232، و"النكت والعيون" 6/ 294، "تفسير السدي" 478.]]. وقال مجاهد: ووجدك ضالًا. يعني عن الهدى، فهداك لدينه [[ورد بنحو من قوله في: "التفسير الكبير" 31/ 216. قلت: وهذه الأقوال من المفسرين ممن أجروا معناها على ظاهر الآية من الفريق الذي يجوزون الكفر على الأنبياء في وقت من الأوقات قبل البعثة، وقد أشار إلى مثل ذلك الإمام الطبري عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ إلى آخر قوله: ﴿قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: [76 - 77]. "جامع البيان" م: 5/ 7، 250 - 251. كما أشار إلى ذلك أيضًا ابن تيمية -رحمه الله- بقوله: والتائب من الكفر، والذنوب قد يكون أفضل ممن لم يقع بالكفر والذنوب وإذا كان فالأفضل أحق بالنبوة ممن ليس مثله في الفضيلة. "مجموع الفتاوى" 10/ 310، وانظر: "منهج السفاريني في أصول الدين": 2/ 359.]]. قال أصحابنا [[وهو ما ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني، وبينه الكمال بن الهمام في شرحه للمسامرة. ومما جاء في هذه المسألة في المسامرة ما يلي: قال ابن الهمام: "أما موجب العقل، فهو التجويز والتوبة، فالعقل لا يمنع وقوعه ثم محو أثره بالتوبة قبل النبوة، فإن قيل: تجويز وقوعه منهم ينافي ما يقتضيه شريف منصبهم من وجوب تصديقهم، وتوقيرهم، وعدم اتصافهم بما ينفر منهم، وأي منفر أشد من الكفر؟ وكيف يوثق بطهارة الباطن من أثره؟ قلنا: قد أجاب القاضي عن ذلك بقوله: ثم إظهار المعجزة أي بعد وقوع التوبة عنه يدل على صدقهم، وعلى طهارة سريرتهم، أي نقاء قلوبهم من أدناس المعاصي، فيجب لذلك توقيرهم، ويندفع النفور عنهم. انظر: كتاب "المسامرة للكمال بن أبي شريف في شرح المسايرة": للكمال بن الهمام في علم الكلام 1/ 81 - 82.]]: وهذا مما يستدرك بالسماع، فأما العقل فجائز في المعقول أن يكون الشخص كافرًا فيرزقه الله الإيمان، ويكرمه بالنبوة، وجائز في العقل الخلع عن النبوة.