الباحث القرآني

جديد: مقرئ المتون
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ذكرنا معنى الشرح عند قوله تعالى: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [[سورة الأنعام: 125. ومما جاء في تفسيرها: "قال الليث: شرح الله صدره فانشرح، أي وسع الله صدره لقبول الخير فتوسع. وقال غيره: شرح فلان أمره إذا أوضحه وأظهره، وشرح مسألة إذا كانت مشكلة فبينها. وقال ابن الأعرابي: الشرح الفتح، والشرح البيان ..]]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: 22]. ومعناه في اللغة: الفتح [[انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 179 (شرح)، "مقاييس اللغة" 3/ 269 (شرح)، "لسان العرب" 2/ 497 (شرح).]] بإذهاب مَا يصد عن الإدرك، والله عز وجل قد فتح صدر نبيه -ﷺ-بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق. قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا يا رسول: أينشرح الصدر، قال: "نعم". قالوا يا رسول الله: فلذلك علامة يعرف بها؟ قال: "نعم: التجافي عن دَار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله" [[الحديث أخرجه الطبري في "جامع البيان" م 5: ج 8/ 27 بمعناه من طريق ابن مسعود، ومن طريق عبد الله ابن المسور. وأخرجه الدارقطني في: "العلل" 5/ 188 - 189: رقم 812 بطرق مختلفة عن ابن مسعود، وقال: الصواب عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر عبد الله بن المسور مرسلاً عن النبي -ﷺ-كذلك قال الثوري، ثم قال: وعبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب هذا متروك. وأخرجه البيهقي في: "الأسماء والصفات" 1/ 257 من طريق خالد بن أبي كريمة، عن عبد الله بن المسور، وقال عنه البيهقي: وهذا منقطع، كما أخرجه من طريق عمرو بن مرة عن أبي جعفر المدائني. وأورده ابن كثير في "تفسيره": 2/ 181 عند تفسير سورة الأنعام: 125 بطرق مختلفة، ثم قال: فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضًا، والله أعلم. وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 355: سورة الأنعام: 125 من طريق ابن مسعود، وعزاه إلى ابن شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم، والبيهقي في الشعب في طريق عن ابن مسعود وأورده الحاكم في "المستدرك" 4/ 311 كتاب الرقاق.]]. فأشار -ﷺ- إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك إن صدق الإيمان بالله ووعده، ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا [["النكت والعيون" 6/ 296، "الكشاف" 4/ 221، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 104، "الدر المنثور" 8/ 547 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، "تفسير الحسن البصري" 2/ 426.]]؛ يعني أن معنى: من شرح صدره أي ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، وحكم لها [[في (أ): (بها).]] بحكمها على حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فرغب فيها، وكذلك كل شيء. وقال الكلبي: يقول ألم يلين قلبك للإسلام؟ ثم ذكر أن جبريل غسل قلبه بماء زمزم، وأنقاه مما كَان فيه من المعاصي، وملأه علمًا وإيمانًا [[ورد معنى قوله في: "بحر العلوم" 3/ 489، وقد ورد حديث صحيح في معنى قوله، راجع ذلك في: "صحيح البخاري" 2/ 422 - 424: ح: 3207: كتاب بدء الخلق: باب 6 ج 3: 63 ح 3887: كتاب مناقب الأنصار: باب 42، و"صحيح مسلم" 1/ 149 - 150 ح: 264: كتاب الإيمان: باب 74، وغيرهما.]]. وعلى هذا معنى شرح صدره: أنقاه مما كان فيه من حظ الشيطان، وخليصه للإيمان، والإسلام، والحق، والتوحيد، حتى لا يكون فيه للشيطان نصيب. وذكرنا في سورة الضحى سبب نزول هذه السورة. وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ استفهام معناه التقرير، أي قد فعلنا ذلك [[قال السمين الحلبي: الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي. "الدر المصون": 6/ 540.]]، يدل على هذا قوله في النسق عليه: