الباحث القرآني

إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
ثم ذكر (بعد) [[ساقط من: (ع).]] ذلك فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يقول الله تعالى: (خلقت عسرًا واحداً، وخلقت يسرين، فلن [[في (ع): (فأين).]] يغلب عسر يسرين) [[ورد قوله مختصرًا، ومن غير ذكر عطاء في: "بحر العلوم" 3/ 490، "التفسير الكبير" 32/ 6، و"زاد المسير" 8/ 272.]]، (ونحو هذا قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من طريقه عن أبي صالح عن ابن عباس في "معاني القرآن" 3/ 375.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وقال مقاتل: قال النبي -ﷺ-: "عند ذلك لن يغلب إن شاء الله عسر واحد يسرين" [["تفسير مقاتل" 244 أ، "التفسير الكبير" 32/ 6.]]. ونحو هذا قال الحسن، وذكر [[في (أ): (ذكروا).]] أن النبي -ﷺ- قال: "لن يغلب عسر يسرين"، وقرأ الآيتين [[رواه الحاكم في "المستدرك" 2/ 528: كتاب التفسير: باب سورة ألم نشرح، وقال عنه: إسناده مرسل، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر: أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن الحسن به مرسلاً، ومن طريقه أخرجه الحاكم، والبيهقي في الشعب، ورواه الطبري من طريق أبي ثور، عن معمر. وله طريق أخرى أخرجها ابن مردويه من رواية عطية عن جابر موصولاً، وإسناده ضعيف. الكافي الشاف: 4/ 186. وانظر: "شعب الإيمان" 7/ 206 ح 10013، كما ورد في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 380، و"جامع البيان" 30/ 236، و"بحر العلوم" 3/ 490، و"الكشف والبيان" 13/ 114 ب، و"فتح الباري" 8/ 712، و"أحكام القرآن" للجصاص 3/ 473، و"معالم التنزيل" 4/ 502، و"الكشاف" 4/ 223، و"القرطبي" 20/ 107، و"لباب التأويل" 4/ 389، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 561 - 562، و"الدر المنثور" 8/ 551.]]. ويروى [[في (أ): (روى).]] عن ابن مسعود مثل هذا [[ورد معنى قوله في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 381، "جامع البيان" 30/ 236، "بحر العلوم" 3/ 490، "الكشف والبيان" ج 13: 114/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 502، و"زاد المسير" 8/ 272، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 107، و"النكت والعيون" 6/ 298، و"لباب التأويل" 4/ 389، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 561. وقال السيوطي: ورواه الطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود. انظر: "الدر المنثور" 8/ 550 - 551 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في الصبر، والبيهقي في شعب الإيمان. وقال ابن حجر: وأخرج سعيد بن منصور، وعبد الرزاق من حديث ابن مسعود == قال: قال رسول الله -ﷺ- وذكر الحديث، ثم قال: إسناده ضعيف. وقال أيضًا: وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعود بإسناد جيد من طريق قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله -ﷺ- بشر أصحابه بهذه الآية فقال: "لن يغلب عسر يسرين إن شاء الله". "فتح الباري" 8/ 713. كما رواه الطبراني 10/ 85 ح: 9977، وفيه إبراهيم النخعي، وهو ضعيف "مجمع الزوائد" 7/ 139: كتاب التفسير: تفسير ألم نشرح.]]. وكتب عمر بن الخطاب. -رضي الله عنه-إلى أبى عبيدة، وهو محصور أنه مهما تنزل بامرىءٍ شدة [[في (ع): (شديد).]] يجعل الله بعدها فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين [[أخرجه مالك في "الموطأ" 1/ 357: كتاب الجهاد: باب: 1 موقوفاً على عمر، والحاكم في "المستدرك" 2/ 528: كتاب التفسير: تفسير سورة ألم نشرح. وقال: وقد صحت الرواية عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب: لن يغلب عسر يسرين، ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر في "الكافي" 4/ 186: وفي الباب عن عمر (ذكره مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن أبيه، وذكر الأثر، ثم قال: ومن طريقه رواه الحاكم، وهذا أصح طرقه، كما قال في "فتح الباري" 8/ 713، وأما الموقوف، فأخرجه مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر أنه كتب إلى أبي عبيدة -الأثر-، ثم قال: وقال الحاكم: صح ذلك عن عمر، وعلي، وهو في الموطأ عن عمر؛ لكن من طريق منقطع، وأخرجه عبد بن حميد، عن ابن مسعود بإسناد جيد، وأخرجه الفراء بإسناد ضعيف عن ابن عباس. كما ورد الأثر في: "المحرر الوجيز" 5/ 497 بمعناه، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 107، "الدر المنثور" 8/ 550 ونسبه إلى ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: بعئنا رسول الله -ﷺ- ونحن ثلاثمائة أو يزيدون؛ علينا أبو عبيدة بن الجراح ... ونزلت: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فأرسل نبي الله إلى بعضنا فدعاه، فقال: (أبشروا فإن الله قد أوحى إلى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ولن يغلب عسر يسرين).]]. فهذا قول [[في (أ): (يقول).]] النبي -ﷺ-والصحابة، والمفسرين. على أن العسر واحد، واليُسْرَ اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران، ويسران، إلا أن المراد عسر واحد؛ لأنه مذكرر بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير مرتين، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا ابن الفارسي، عن حمد بن محمد البُستي، قال: ذكر لنا أبو عمر، عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء قال: العرب إذا ذَكَرَتّ نَكِرَة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارتا اثنين، كقولك: إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا، والثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا فانفق الدرهم، فالثاني هو الأول [[لم أجد قوله في المعاني، وإنما ورد معنى قوله في: "التفسير الكبير" 32/ 6، "زاد المسير" 8/ 272، كما ورد من غير عزو في: "معالم التنزيل" 4/ 502 - 503، وعزاه الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 114 ب، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 389 إلى المفسرين.]]. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع اليسر مع الألف واللام، ثم ثنى [ذكره] [[ذكر: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في الأصل لصحته.]]، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 341.]]. وتكلم صاحب النظم في هذه السورة، وأنكر هذا التعليل الذي ذكره الفراء، والزجاج، وقال: (هذا قول مدخول، [لا] [[لأنه: في كلا النسختين، وأثبت ما جاء في "الكشف والبيان" 13/ 114 ب لصحته.]] يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفًا، إن مع الفارس سيفًا، أن يكون فارس واحد معه سيفان، ولا يجوز هذا في شيء من العربية، والصحيح في ذلك أن الله تعالى بعث نبيه -ﷺ-، وهو مقل، فكانت قريش تعيره بذلك حتي قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغني [[في (أ): (الغناء).]] جمعنا لك مالاً حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث [[كرث: كَرَثه النَعم، يَكِرثه، وأكْرَثَه: أي اشتد عليه، وبلغ منه المشقة. "النهاية في غريب الحديث والأثر" 4/ 161.]] النبي -ﷺ- ذلك، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه منته في هذه السورة، ووعد الغنى، وأنزل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ [[في (أ): (لك)، وهو ضمير زائد على بنية الكلام.]] صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. -أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه -ﷺ- كان في كثير من مذاهبه على مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا ولا وثنًا- [[ما بين شرطتي الاعتراض من قول الإمام الواحدي.]]، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى في الدنيا ليسليه عما خامره من قول (من) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] عيره بالفقر فقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، والدليل على ذلك دخول الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّ﴾ [[وذلك لأن الفاء لا تدخل أبداً إلا في عطف أو جواب. انظر: "الكشف والبيان" 13/ 115 أ.]]، ودل ذلك على أن التأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلاً، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز، وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحي أهل البوادي، وكان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبات [السنية] [[غير مقروءة في النسختين.]]، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فصل آخر فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ والدليل على ابتدائه [[في (أ): (ابتلائه).]]: تعريه [[في (أ): (تعرية بواو).]] من فاء، أو واو، أو غيرهما من حروف النسق، وهو وعد عام لجميع المؤمنين؛ لأنه يعني بذلك أن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا، وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر (في) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]] الآخرة، وهو ما ذكر في الآية الثانية) [[ما بين القوسين من قول الجرجاني، انظر: "الكشف والبيان" 13/ 114 ب، 115 أ، نقله الإمام الواحدي عن "الكشف" بتصرف، وانظر أيضًا بنحوه في "زاد المسير" 8/ 272، و"التفسير الكبير" 32/ 6، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 108، و"لباب التأويل" 4/ 389.]]. وقوله -ﷺ-: "لن يغلب عسر يسرين" أي يسر الدنيا والآخرة [[سبق تخريجه.]]، والمعنى: لن يجمعهما في الغلبة، إنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا، فأما يسر الآخرة للمؤمنين فلا محالة كائن، ولا يغلبه شيء، والعسرة بين يسرين: إما [[في (أ): (أنها).]] فرح في الدنيا، وإما ثواب الآخرة [[وهذا المعنى ورد بمعناه عن الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 115 أ، وانظر. و"معالم التنزيل" 4/ 503، و"زاد المسير" 8/ 273.]]. وهذا هو الصحيح في معنى الآية. وهو أن اليسرين: أحدهما في الدنيا، والثاني في الآخرة، إما هذا، وإما ذاك، وربما اجتمعتا، ويدل على صحة هذا مَا ذكر محمد بن إسماعيل البخاري [[محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بذدزبة البخاري؛ صاحب "الصحيح"، رحل في طلب الحديث إلى سائر محدثي الأمصار، توفي أبو عبد الله ليلة السبت ليلة الفطر سنة 256 هـ وقبر في خرتنك. انظر: "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى: 1/ 271: ت: 387، و"طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي 2/ 2، و"تهذيب الكمال" 24/ 430: ت: 5059.]] فقال: قال ابن عُيَيْنة: إن مع كل عسر يسرًا، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:52] و"لن يغلب عسر يسرين" [["الجامع الصحيح" 3/ 326، كتاب التفسير: باب: 94 بيسير من التصرف، "تفسير سفيان بن عيينة" 347.]] يعني أن أحد اليسرين يدرك صَاحب اليسر لا محَالة؛ إما يسر الدنيا، وإما يسر الآخرة، كما أن المجاهد في سبيل الله لن [[في (أ): (أن).]] يفوته أحد الحسنيين. وذهب بعضهم [[كابن قتيبة في: "تأويل مشكل القرآن" 236.]] في الآية إلى أنه من مظاهر [[في (أ): (ظاهر).]] القول الذي يراد به التأكيد، كقوله ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: 3 - 4]، ونحوه مما تكرر في القرآن [[نحو قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ سورة القيامة: 34 - 35. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ سورة الانفطار: 17 - 18 مستفاد من "تأويل مشكل القرآن" ص 236.]] وهو في الشعر والكلام أيضًا كثير، كقول الشاعر [[البيت لعبيد بن الأبرص.]]: هلا سَأَلْتَ جُمُوع كِنْدة ... يَوْمَ وَلوا أَيْنَ أَيْنَا [[ورد البيت في "ديوانه" ص 142، ط. دار صادر، "تأويل مشكل القرآن" ص 236.]] ولما وعده اليسر في الدنيا والآخرة، أمره بالجهد في العبادة، فقال: