الباحث القرآني

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني اليهود والنصارى. ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾. يعني مشركي العرب، وذلك أن الكفار كانوا جنسين: أحدهما: أهل الكتاب [الفرق] [[في النسختين (لفرق)، وأثبت ما جاء في "التفسير الكبير" 32/ 39 لاستقامة الكلام به.]] اليهود، والنصارى [[بياض في (ع).]] كانوا كفارًا [[بياض في: (ع).]] بإحداثهم في دينهم مَا كفروا به كقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]، و ﴿[[في (أ): (هو).]] الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]. والثاني: المشركون، وأهل الأوثان الذين كَانوا لا ينتسبون إلى كتاب، فذكر الله تعالى الجنسين [[غير مقروء في: (ع).]] بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [[ما جاء في تفسير ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ قد نقله الفخر بنصه في "التفسير الكبير" 32/ 39، 40.]]. وقوله: ﴿مُنْفَكِّينَ﴾. قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 306.]]، والأخفش [["تهذيب اللغة" 9/ 458 (فك).]]، والمبرد [[لم أعثر على مصدر لفوله.]]: زائلين. وأنشد أبو عبيدة [[لم أجده في: "مجاز القرآن"، وهو من شواهد الفراء في معانيه 3/ 281.]] لذي الرمة: حَراجِيجُ لا تنْفكُّ إلاَّ مُناخَةً على ... الخَسْفِ أو نرمي بها بَلَدًا قَفْرا [[(أو نرمي به بلداً قفرًا): غير مقروءة في: (ع).]] [[ورد البيت في: "ديوانه" 3/ 1419، "تهذيب اللغة" 9/ 459 (فك)، "لسان العرب" 10/ 477 (فك)، وكلاهما برواية: قلائص بدلاً من حراجيج، "الصحاح" 4/ 1603 (فكك) برواية (ما تنفك) بدلاً من (لا تنفك)، "تاج العروس" 7/ 169 برواية (قلائص) بدلاً من (حراجيج). "معاني القرآن" الفراء 3/ 281، "كتاب سيبويه" 3/ 48، "مغنى اللبيب" 1/ 131 ش: 107، "شرح المفصل" 7/ 106 (ما تنفك) بدلاً من (لا تنفك)، "الهمع" 1/ 120 ط. دار المعرفة، "إعراب القرآن" للنحاس: 5/ 272. معنى البيت: حراججع: الطوال، جمع حرجوج: يقول: لا تفارق هذه الأبل السير إلا في حال إناختها. الخسف: الإذلال: وهو أيضًا المبيت على غير علف، كتاب == سيبويه حاشية: 3/ 48. يقول ما ينفصل عن جهد ومشقة إلا في حال اناختها على الخسف، وَرَمْي البلد القفر بها، أي تنتقل من شدة إلى شدة شرح أبيات "معاني القرآن" ص 130.]] وأنشد أيضًا للكميت [[في (ع): (بياض).]] ولم تنفكك مما على من يكيده ... غبار [[في (أ): (غبارًا).]] أثارته السنابك أصهب [[لم أعثر عليه في ديوانه.]] ومعنى انفك: (انفصل، يقال: فككت الشي فانفك) [[ما بين القوسين من قول الليث؛ نقله عن الواحدي من: "تهذيب اللغة" 9/ 457 - 458 (فكك). وانظر: "الصحاح" 4/ 1653 (فكك)، و"لسان العرب" 10/ 475 (فكك).]]، ويستعمل بمعنيين، الأصل واحد: أحدهما: الانفكاك الذي هو الانفصَال والبينونة من الشيء بعد الملابسة والاجتماع، تقول: قد انفككت منك، وانفك الشيء من الشيء [[بياض في: ع.]]. (والثاني بمعنى: ما زال [[في (أ): (وأزال).]]، ولا يزال، يقول: مَا انفك يفعل كذا، ولا ينفك يفعل كذا، وإذا استعمل بهذا المعنى فلا بد من أن يكون معه جحد [[أي: (نقي).]]، يقول: ما انفككت [[في (أ): (انفككت).]] أذكرك [[في (أ): (أذكر).]]. تريد: مَازلت أذكرك، وأصله هذا أيضًا من الانفصال من ذكرك) [[ما بين القوسين من قول الفراء نقله عنه بتصرف: "معاني القرآن" 3/ 281. وانظر: "تهذيب اللغة" 9/ 458 - 459.]]. ومن هذا قول طرفة: فآلَيَت [[في (أ): (ماليت).]] لا يَنْفَك كَشْحي بِطانَةً ... لِعَضْبٍ رَقيِقِ الشَّفْرَتيِنِ مُهَنّدِ [[ورد البيت في: "ديوانه" ص 37، ط. المؤسسة العربية، "الكشف والبيان" 13/ 132/ أبرواية "الرقيق"، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 140. معنى البيت: لا ينفك: لا يزال. وما انفك: ما زال. البطانة: نقيض الظهارة. العضب: السيف القاطع. شفرتا السيف: حداه، والجمع: الشفرات والشفار. يقول: ولقد حلفت أن لا يزال كشحي لسيف قاطع رقيق الحدين طبعته الهند منزلة البطانة للظهارة. "ديوانه" ص 37.]] أي لا يزال. وكذلك قول الكميت الذي أنشدناه، فأما قول ذي الرمة: لا ينفك إلا مناخة. فجعله الفراء من الانفكاك الذي هو الانفصَال، قال: لأنك لا تقول: مَازلت إلا قائمًا، ودخول (إلا) في قوله: (إلا مناخة) يدل على قوله أنه لم يرد لا ينفك: لا يزال. وجعله غيره [[كالمازني، وأبي جعفر. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 5/ 272، و"شرح المفصل" 7/ 106 - 107.]] بمعنى: لا تَزال [[في (ع): (ما زال).]]، وتكون (لا) صلة [[أي: (زائدة).]] للضرورة، أو تحقيقًا لحالتيها من الإناخة على الخسف، أو السير عليها. وأما الذي في الآية فهو من الانفصال، وليس بمعنى: لم يزالوا [[بياض في: (ع).]]. قال عطاء [["الوسيط" 4/ 539.]]، والكلبي [[المرجع السابق.]] عن ابن عباس: لم يكونوا منتهين عن كفرهم بالله وعبادتهم غير الله (وهو قول قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 387، "جامع البيان" 30/ 262، "ابن كثير" 4/ 574، "الدر المنثور" 8/ 588 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 246 أ.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ قال ابن عرفة: أي حتى أتتهم [[غير واضحة في: (ع).]]، لفظه لفظ المضارع، ومعناه الماضي [["تهذيب اللغة" 9/ 458 (فك)، وانظر: "لسان العرب" 10/ 477 (فكك).]]. وهذا كقوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] أي مَا تلت، وقد مر بيانه. وقوله: ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ هو قال ابن عبا لهم س: يريد محمدًا -ﷺ- [["الوسيط" 4/ 539، "مجموع الفتاوى" 5/ 89، وقال بمثله قتادة في: "بحر العلوم" 3/ 498.]]، وهو قول مقاتل؛ قال: يعني محمدًا مبين لهم ضلالتهم وشركهم [["الوسيط" المرجع السابق، وانظر: "مجموع الفتاوى" 15/ 89 وعبارته: وإنها البيان.]]. ومعنى ﴿الْبَيِّنَةُ﴾: الحجة الظاهرة التي يتميز بها الحق من الباطل، فالنبي -ﷺ- بينه [[بمعنى هذا القول جاء عن الثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 132 أ.]]، وإقامة الشهادة العَادلة بينة، وكل برهان بينة. ويقول زيد: بيني على هذا الأمر، إذا كان شهد لك في دعواك [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. ومعنى الآية: إخبار الله تعالى عن الكفار أنهم لم [[في (أ): (لن).]] ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد -ﷺ- (بالقرآن) [[ساقط من (أ).]]، فبين لهم ضلالتهم [[بياض في: (ع).]]، وجهالتهم، ودعَاهم إلى الإيمان" فآمنوا، ولم يكونوا مؤمنين منفصلين عن كفرهم [[بياض في: (ع).]] قبل بعثه [[وقد رجح الإمام الطبري هذا المعنى للآية الكريمة في: "جامع البيان" 30/ 262، والثعلبي في: "الكشف والبيان" 13/ 132/ أ، وذهب إلى ترجيحه أيضًا البغوي في: "معالم التنزيل" 4/ 513، وابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 289، وقال ابن تيمية عن هذا القول: إنه الأشهر عند المفسرين. "مجموع الفتاوى" 16/ 489، على أنه رجح قولاً آخر وهو: المراد أنهم لم يكونوا متروكين حتى يرسل إليهم رسول: 16/: 494، وهناك أقوال أخرى ذكرت فيما ذكرت من مراجع في هذا الشأن، وقد فندها ابن تيمية في "مجموعه": 16/ 480 وما بعدها، بالإضافة إلى ذكرها في: "معاني القرآن" للفراء 3/ 281، و"النكت والعيون" 6/ 315، و"المحرر الوجيز" 5/ 507.]]. وهذا بيان عن النعمة بمحمد -ﷺ- والإنقاذ [[في (أ): (الاعاد).]] به من الجهل والضلالة. والآية فيمن آمن من الفريقين، وهذه الآية من أصعب [[في (أ): (أضعف).]] ما في القرآن نظماً وتفسيرًا، وقد تخبط فيها الكُبَار من العلماء، وسلكوا في تفسيرها طرقاً لا تفضي بهم إلى الصواب. والوجه في تفسيرها: ما أخبرناك به، فأحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال [[قال الفخر تعليقاً على ما قاله الإمام الواحدي، وبعد ما ذكر قوله في معنى الآية: ثم إنه رحمه الله لم يلخص كيفية الإشكال فيها. "التفسير الكبير" 32/ 38. ثم قال: (وأنا أقول: وجه الإشكال أن تقدير الآية: لم يكن الذين كفروا منفكين حتى تأتيهم البينة، التي هي الرسول، ثم إنه تعالى لم يذكر أنهم منفكون عن ماذا؛ لكنه معلوم إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه، فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة التي هي الرسول، ثم إن كلمة (حتى) لانتهاء الغاية، فهذه الآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول، (فحينئذ يحصل بين الآية الأولى، والآية الثانية مناقضة في الظاهر. هذا منتهى الإشكال فيما أظن. والجواب عنه من وجوه: أولها، وأهمها الوجه الذي لخصه صاحب الكشاف، وهو أن الكفار من الفريقين: أهل الكتاب، وعبدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث محمد -ﷺ-: لا ننفك عما نحن عليه من ديننا، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد ﷺ، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه، ثم قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق، ولا أفرهم على الكفر إلا مجيء الرسول). "التفسير الكبير" 32/ 38 - 39، وانظر: "الكشاف" 4/ 226.]] ويدل على هذا المراد بالبينة محمد -ﷺ- أنه أبدل منها فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾. قال أبو إسحاق: رسول: رفع على البدل من البينة، والتفسير لها [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 349.]]. وقال الفراء: "رسول" نكرة استؤنف على البينة، وهي معرفة كما قال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: 15] [["معاني القرآن" 3/ 282 بنصه.]] فقال: قوله [[في (ع): (وقوله).]] (تعالى) [[ساقط من (ع).]]: ﴿يَتْلُو صُحُفًا (مُطَهَّرَةً)﴾ [[ساقط من (ع).]]. هذا من نعت الرسول، والصحف جمع صحيفة، وهي ظرف للمكتوب. والمعنى يتلو [[(يتلوا): هكذا في النسختين.]] ما يتضمن الصحف من المكتوب فيها، يدل ذلك على أنه كان يتلو [[في: (أ)، (ع): (يتلوا).]] على ظهر قلبه، لا عن كتاب، لأنه كان أميًا لا يكتب [[نقله الفخر عن الواحدي: "التفسير الكبير" 32/ 42، والشوكاني: "فتح القدير" 5/ 475 وعزاه إلى الواحدي.]]. وقوله: ﴿مُطَهَّرَةً﴾ وقال ابن عباس: يريد من الكذب، والزور، والشك، والنفاق، والضلال، والشبهات [["الجامع لأحكام القرآن" 20/ 142 من غير ذكر الكذب والشبهات.]]. (وقال مقاتل: من الكفر، والشرك [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وقال أبو إسحاق: أي هي مطهرة من الباطل [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 349.]]. يدل على هذا قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]، وهذا كقوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: 13]، وهذا قول قتادة: مطهرة من الباطل، وهو القرآن يذكر بأحسن الذكر، ويثني عليه أحسن الثناء [["جامع البيان" 30/ 263، "النكت والعيون" 6/ 316، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 142 مختصرًا جدًا، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 547، "الدر المنثور" 8/ 588 وعزاه إلى عبد الرزاق، -قلت: ولم أجده عند عبد الرزاق-، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، "فتح القدير" 5/ 475 مختصرًا جدًّا.]]. و (المطهرة): جرت نعتًا للصحف في الظاهر، وهي نعت لما في الصحف من القرآن، ولكن لما كانت الصحف مذكوة دون مَا فيها أجرى النعت عليها، وهو لما فيها؛ كما أن المراد بالصحف مَا فيها. ويبين ما ذكرنا: