الباحث القرآني

وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد -ﷺ-، لأن نعته معهم، فلما بعثه الله تفرقوا في أمره، واختلفوا، فآمن به بعضهم، وكفر آخرون [[حكاه عن الأكثرين: البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 513، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 289، والشوكاني في "فتح القدير" 5/ 475، وقال به الطبري في "جامع البيان" 30/ 263، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 143، و"لباب التأويل" 4/ 399.]]. وهذا المعنى مذكور في مواضع من التنزيل كثير [[نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشوري: 14].]]. والمراد بالبينة النبي -ﷺ- [[قال بذلك أيضًا: عكرمة، وابن جريج: "الدر المنثور" 8/ 588 وعزاه إلى ابن المنذر.]] كما ذكرنا آنفًا [[آية: 1 من هذه السورة.]] وذكر الله تعالى فريقين [[من أول السورة إلى قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ حكمها فيمن آمن من أهل الكتاب والمشركين. ومن قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ حكمه فيمن لم يؤمن من أهل الكتاب والمشركين بعد قيام الحجج. "الكشف والبيان" 13/ 132 ب.]] من الكفار في أول السورة أسلموا لما آتاهم النبي -ﷺ-، وذكر هاهنا فرقة واحدة ثبتوا على الكفر، وهم من أهل الكتاب؛ ذلك لأن المشركين لم يقروا على دينهم، فمن آمن منهم صار مؤمنًا، ومن لم يؤمن قوتل وأريق دمه، بخلاف أهل الكتاب الذين تفرقوا على دينهم بأخذ الجزية [[المراد بالجزية: الخراج المضروب على رؤوس الكفار إذلالاً وصغاراً، واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على كفرهم لأخذها منهم صغاراً، وإما جزاء على أماننا لهم لأخذها منهم رفقاً. "أحكام أهل الذمة" لابن قيم الجوزية 1/ 22، "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" للماوردي 181. وقد أجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس. "أحكام أهل الذمة" 1/ 1.]]. ثم ذكر بماذا كانوا أمروا في كتبهم فقال: