الباحث القرآني

قوله تعالى: {لِدُلُوكِ} : في هذه اللامِ وجهان، أحدُهما: أنها بمعنى «بَعْد» ، أي: بَعْدَ دُلوكِ الشمسِ، ومثلُه قول متمم بن نويرة: 309 - 0- فلمَّا تَفَرَّقْنا كأني ومالِكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معاً ومثلُه قولُهم: «كَتَبَتْه لثلاثٍ خَلَوْنَ» . والثاني: أنها على بابها، أي: لأجلِ دُلُوك. قال الواحدي: «لأنها إنما تَجِبُ بزوالِ الشمس» . والدُّلوك: مصدرُ دَلَكت الشمسُ، وفيه ثلاثةُ أقوالٍ، أشهرُها: أنه الزوالُ، وهو نِصْفُ النهار. والثاني: أنه من الزوال إلى الغروب. قال الزمخشري: «واشتقاقُه من الدَّلْكِ؛ لأنَّ الإِنسانَ يَدْلُكُ عينَه عند النظرِ إليها» . قلت: وهذا يُفْهِم أنه ليس بمصدرٍ؛ لأنه جعله مشتقاً من المصدرِ. والثالث: أنه الغروبُ، وأنشد الفراءُ عليه قولَه: 309 - 1- هذا مُقامُ قَدَمَيْ رَباحِ ... ذَبَّبَ حتى دَلَكَتْ بَِرَاحِ أي: غَرَبَتْ بَراحِ، وهي الشمسُ. وأنشد ابن قتيبة على ذلك قولَ ذي الرمة: 309 - 2- مصابيحُ ليسَتْ باللواتي تقودها ... نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدوالِكِ أي: الغارِبات: وقال الراغب: دُلُوْكٌ الشمسِ مَيْلُها للغُروب، وهو مِنْ قولِهم: دَلَكْتُ الشمسَ: دفعتُها بالرَّاح، ومنه: دَلَكْتُ الشيءَ في الراحةِ، ودَلَكْتُ الرجلَ: ماطَلْتُه، والدَّلُوك: ما دَلَكْتَه مِنْ طِيبٍ، والدَّلِيْكُ: طعامٌ يُتَّخذ مِنْ زُبْدٍ وتَمْر «. قوله: {إلى غَسَقِ اليل} في هذا الجارِّ وجهان، أحدٌهما: أنه متعلِّقٌ ب أَقِمْ» فهي لانتهاءِ غايةِ الإِقامةِ، وكذلك اللامُ في «لِدُلوك» متعلقةٌ به أيضاً. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «الصلاة» ، أي: أَقِمْها مَمْدودةً إلى غَسَق الليل، قاله أبو البقاء. وفيه نظرٌ: من حيث إنه قَدَّر المتعلِّق كوناً مقيداً، إلا أَنْ يريدَ تفسيرَ المعنى لا الإِعرابِ. والغَسَقُ: دخولُ أولِ الليل، قاله ابنُ شميل. وأنشد: 309 - 3- إنَّ هذا الليلَ قد غَسَقا ... واشتكيْتُ الهَمَّ والأرقا وقيل: هو سَوادُ الليلِ وظُلْمَتُه، وأصلُه من السَّيَلان: غَسَقَتِ العين، أي: سالَ دَمْعُها فكأن الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ على العالَم وتَسِيْل عليهم قال: 309 - 4- ظلَّتْ تجودُ يداها وهي لاهِيَةٌ ... حتى إذا هَجَمَ الإِظْلامُ والغَسَقُ ويُقال: غَسَقَتِ العينُ: امتلأَتْ دَمْعاً، وغَسَقَ الجرحُ: امتلأَ دَماً، فكأنَّ الظُّلْمَةَ مَلأَتْ الوجودَ. والغاسِقُ في قوله: {وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ} [الفلق: 3] قيل: المرادُ به القمرُ إذا كَسَف واسْوَدَّ. وقيل: الليل. والغَساقُ بالتخفيف والتشديدِ ما يَسِيل مِنْ صَديدِ أهل النار. ويُقال: غَسَق الليلُ وأَغْسَقَ، وظَلَمَ وَأَظْلَمَ، ودَجَى وأَدْجَى، وغَبَشَ وأَغْبَشَ، نقله الفرَّاء. قوله: {قُرْآنَ الفجر} فيه أوجهٌ، أحدها: أنه عطفٌ على «الصلاة» ، أي: وأَقِمْ قرآنَ الفجرِ، والمرادُ به صلاةُ الصبحِ، عَبَّر عنها ببعضِ أركانِها. والثاني: أنه منصوبٌ على الإِغراء، أي: وعليك قرآنَ الفجر، كذا قدَّره الأخفشُ وتَبِعه أبو البقاء، وأصولُ البصريين تَأْبَى هذا؛ لأنَّ أسماءَ الأفعالِ لا تعملُ مضمرةً. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ، أي: كَثِّر قرآنَ أو الزَمْ قرآنَ الفجرِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.