الباحث القرآني

والرِّبا لامُه واوٌ لقولِهم: رَبا يَرْبو، فلذلك يُثَنَّى بالواوُ ويكتَبُ بالألفِ. وجَوَّز الكوفيون تثنيته بالياءِ وكذلك كتابتُه، قالوا لكسر أولِه ولذلك أمالوه، وليس هذا مختصاً بمكسور الأولِ، بل الثلاثي من ذواتِ الواوِ المكسورُ الأولِ أو المضمومُه نحو: «رِبا» و «عُلا» حكمُه ما ذكرته عنهم، فأمَّا المفتوحُ الأولِ نحو: عصا وقَفَا فلم يُخالفوا البصريين، وكُتب في القرآنِ بخطِ الصحابة بواوٍ بعدها ألفٌ. والمادةُ تَدُلُّ على الزيادةِ والارتفاعِ ومنه الرَّبْوَةُ. وقال حاتم الطائي يصف رُمْحاً: 1094 - وأسمرَ خطِيَّاً كأن كعوبَه ... نَوَى القَسْبِ قد أَرْبَى ذِراعاً على العُشْرِ ... وقيل: إنما كُتِبَ بالواوِ لأنَّ أهلَ الحجازِ تَعَلَّموا الخطَّ من أهلِ الحِيرة، وأهلُ الحِيرةِ يقولونَ: «الرِّبو» بالواوِ «فكتبوها كذلك ونقلَها أهلُ الحجاز كذلك خَطَّاً لا لفظاً. وقد قرأ العدويُّ:» الرِّبَو «كذلك بواوٍ خالصة بعد فتحةِ الباء. فقيل: هذا القارىءُ أجرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ، وذلك أنَّ من العربِ مَنْ يقلِبُ ألفَ المقصورِ واواً فيقول: هذه أَفْعَو، وهذا من ذاك، إلا أنه أَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ. وقد حكى أبو زيد ما هو أغربُ من ذلك فقال:» قرأ بعضُهم بكسرِ الراءِ وضمِ الباء وواوٍ بعدها «، ونَسَبَ هذه للغلط؛ وذلك لأنَّ لسانَ العرب [لا] يبقي واواً بعد ضمةٍ في الأسماءِ المعربة، بل إذا وُجد ذلك لم يُقَرَّ على حاله، بل تُقْلَبُ الضمةُ كسرةً والواوُ ياءً نحو: دَلْوٍ وأَدْلٍ، وجَرْوٍ وأَجْرٍ وأنشد أبو عليّ: 1095 - ليثٌ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عند خِيسَتِه ... بالرَّقْمتينِ له أَجْرٍ وأَعْراسُ ونهايةُ ما قيلَ فيها أنَّ قارئها قَلَبَ الألفَ واواً كقولِهم في الوقف: أَفْعَو، ثم أُجْرِي مُجْرى الوقفِ في ذلك، ولم يَضْبِطِ الراوي عنه ما سَمِع فظنَّه بضمِّ الباء لأجلِ الواوِ فنقلها كذلك، وليت الناسَ أَخْلَوا تصانيفهم من مثلِ هذه القراءات التي لو سَمِعها العامةُ لمَجُّوها ومن تعاليلها، ولكن صارَ التاركُ لها يَعُدُّه بعضُهم جاهلاً بالاطلاع عليها. ويقال: رِبا ورِما، بإبدالِ بائِه ميماً، كما قالوا: كََثَم في كَثَب. والألفُ واللام في» الرِّبا «يجوز أن تكونَ للعهدِ، إذ المرادُ الربا الشرعيُّ، ويجوز أن تكونَ لتعريفِ الجنس/. قوله: {لاَ يَقُومُونَ} الظاهرُ أنها خبرُ الموصولِ المتقدِّم. وقال بعضهم: إنها حالٌ، وهو سهوٌ، وقد يُتَكلَّفُ تصحيحُه بأن يُضْمَرَ الخبرُ كقراءة من قرأ {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} وقوله: 1096 -. . . لا أنا باغياً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في أحد الوجهين: قوله: {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ} فيه الوجهان المشهوران وهما: النصبُ على النعتِ لمصدرٍ محذوفٍ أي: لا يقومون إلا قياماً مثلَ قيامِ الذي يتخبطه الشيطانُ، وهو المشهورُ عند المعربين، أو النصبُ على الحالِ من ضميرِ ذلك المصدرِ المقدَّرِ أي: لا يقومونَهُ أي القيامَ إلا مُشْبِهاً قيامَ الذي يتخبطه الشيطانُ، وهو رأي سيبويه، وقد قَدَّمْتُ تحقيقهما. و «ما» الظاهرُ أنها مصدريةٌ أي: كقيامِ. وجَوَّزَ بعضُهم أن تكون بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، والتقديرُ: إلا كالقيامِ الذي يقومه الذي يتخبَّطُه الشيطانُ، وهو بعيد. و «يتخبَّطه» يَتَفَعَّلُه، وهو بمعنى المجردِ أي يخبِطُه؛ فهو مثل: تَعدَّى الشيءَ وعَدَاه. ومعنى ذلك مأخوذٌ من خَبَط البعيرُ بأخفافِه: إذا ضرب بها الأرضَ. ويقال: فلان يَخْبِط خَبْطَ عَشْواء، قال علقمة: 1079 - وفي كل حَيًّ قد خَبَطْتَ بنعمةٍ ... فَحُقَّ لشَأْسٍ من نَداكَ ذَنُوبُ وقال زهير: 1098 - رأيتُ المنايا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ ... تُمِتْه ومَنْ تُخْطِىءْ يُعَمَّر فَيَهْرَمِ قوله: {مِنَ المس} فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بيتخبَّطه من جهةِ الجنونِ، فيكونُ في موضعِ نصبٍ قاله أبو البقاء. والثاني: أنه يتعلَّقُ بقوله: «يقومُ» أي: لا يقومون من المسِّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. الثالث: أنه يتعلَّقُ بقولِه: «يقومُ» أي: كما يقومُ المصروع من جنونِه. ذكر هذين الوجهين الأخيرين الزمخشري. قال الشيخ: «وكان قَدَّم في شرحِ المَسِّ أنه الجنونُ، وهذا الذي ذهب إليه في تعلُّقِ» من المس «بقوله» لا يقومون «ضعيفٌ لوجهين، أحدُهما: أنه قد شَرَحَ المسَّ بالجنون، وكان قد شَرَحَ أنَّ قيامَهم لا يكون إلا في الآخرة وهناك ليس بهم جنونٌ ولا مَسٌّ، ويَبْعُدُ أن يَكْنى بالمسِّ الذي هو الجنونُ عن أكلِ الربا في الدنيا، فيكونُ المعنى: لا يقومون يومَ القيامة أو من قبورهم من أجلِ أكلِ الرِّبا إلا كما يقومُ الذي يتخبَّطُهُ الشيطان، إذ لو أُريد هذا المعنى لكان التصريحُ به أَوْلَى من الكنايةِ عنه بلفظِ المَسِّ، إذ التصريحُ به أَبْلَغُ في الزجرِ والردعِ. والوجه الثاني: أنَّ ما بَعد.» إلاَّ «لا يتعلَّقُ بما قبلها إلا إنْ كان في حَيِّز الاستثناء، وهذا ليسَ في حَيَّز الاستثناء، ولذلك منعوا أَنْ يتعلَّقَ» بالبيناتِ والزبرِ «بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} [النحل: 44] وأنَّ التقديرَ: وما أرسلنا بالبيناتِ والزبرِ إلا رجالاً» . قلت: أمَّا تضعيفُه المعنى فليس بجيدٍ، بل الكنايةُ في لسانِهم أَبْلَغُ وهذا مِمَّا لا يُخْتَلَفُ فيه. وأمَّا الوجهُ الثاني فإنه يُغتْفرُ في الجارِّ والظرفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غيرِه، وشواهدُهُ كثيرةٌ. والمَسُّ عُبِّر به عن الجنونِ في لسانهم، قالوا: مُسَّ فهو مَمْسُوس، مثل: جُنَّ فهو مَجْنون، وأنشد أبو بكر: 1099 - أُعَلِّلُ نفسي بما لا يكونُ ... كذي المَسِّ جُنَّ ولم يُخْنَقِ وأصلُه أنَّهم يقولون: إنَّ الشيطانَ يَمَسُّ الإِنسانَ بيدِه ويُرْكِضُه برجلِه، ويُعَبَّرُ بالجنونِ عن النشاطِ والسرعةِ وخفةِ الحركةِ، لذلك قال الأعشى يصف ناقته: 1100 - وتُصبحُ عن غِبِّ السُّرى وكأنما ... أَلَمَّ بها مِن طائفِ الجنِّ أَوْلَقُ وقال آخر: 1101 - بَخِيلٍ عليها جِنَّةٌ عبقريةٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} مبتدأٌ وخبرٌ، أي: ذلك التخبُّطُ، أو ذلك القيامُ بسبب افترائِهم هذا القولَ. وقيل: «ذلك» خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ تقديرُه: قيامُهم ذلك. قال الشيخ: «إلا أنَّ في هذا الوجهِ فصلاً بين المصدرِ ومتعلَّقِه الذي هو» بأنهم «، على أنه لا يَبْعُدُ جوازُ ذلك لحذفِ المصدرِ، فلم يَظْهَرْ قُبْحٌ بالفصلِ بالخبرِ» . وقد جَعَلوا الربا أصلاً والبيعَ فرعاً حتى شَبَّهوه به، قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هلاَّ قيل: إنما الربا مثلُ البيع، لأنَّ الكلامَ في الربا لا في البيعِ. قلت: جِيء به على طريقةِ المبالغةِ، وهو أنهم قد بَلَغ من اعتقادهم في حِلّ الربا أنهم جَعَلوه أصلاً وقانوناً في الحِلِّ، حتى شَبَّهوا به البيع» . قلت: وهو بابٌ في البلاغةِ مشهورٌ، وهو أعلى رتب التشبيه، ومنه قوله: 1102 - ورَمْلٍ كأوراكِ العَذارى قَطَعْتُه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قوله: {وَأَحَلَّ الله البيع} الظاهرُ أنه من كلامِ اللهِ تعالى، أَخْبر بأنه أَحَلَّ هذا وحَرَّم ذاك، وعلى هذا فلا محلَّ لهذه الجملةِ من الإِعراب. وقال بعضُهم: «هذه الجملةُ من تَتِمَّةِ قولِ الذين يأكلون الربا، فتكونُ في محلِّ نصبٍ بالقول عطفاً على المقول» وهو بعيدٌ جداً، نَقَلْتُه عن قاضي [القضاء عز الدين في درسه] . قوله: {فَمَن جَآءَهُ} يُحتمل أَنْ تكونَ شرطيةً وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً وعلى كِلا التقديرَيْنِ فهي في محلِّ رفعٍ بالابتداء. وقوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ} هو الخبرُ، فإنْ كانَتْ شرطيةًَ فالفاءُ واجبةٌ، وإن كانَتْ موصولةً فهي جائزةٌ، وسببُ زيادتِها ما تقدَّم مِنْ شَبَهِ الموصولِ لاسمِ الشرطِ. ويجوزُ حالَ كونها شرطيةً وجهٌ آخرُ وهو أن تكونَ منصوبةً بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره ما بعدَه، وتكونُ المسألةُ من بابِ الاشتغالِ، ويُقَدَّر الفعلُ بعدَها لأنَّ لها صدرَ الكلامِ، والتقديرُ: فأيُّ شخصٍ جاءَتِ الموعظةُ جاءته، ولا يجوزُ ذلك فيها موصولةً لأنَّ الصلةَ لا تُفَسِّر عاملاً، إذ لا يَصِحُّ تسلُّطها على ما قبلها، وشرطُ التفسيرِ صحةُ التسلُّطِ. وسَقَطَتِ التاءُ من الفعلِ لشيئين: الفصلُ بين الفعلِ وفاعلِه بالمفعولِ، وكونُ التأنيثِ مجازياً، وقرأ الحسن، «جاءَتْه» على الأصل. قوله: {مِّنْ رَّبِّهِ} يجوزُ أن تكونَ متعلقةً بجاءَتْه، وتكونُ لابتداءِ الغاية مجازاً، وأن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ لموعظة، أي: موعظةٌ من موعظاتِ ربه، أي بعضُ مواعِظه. وقوله: {فانتهى} نَسَقٌ على «جاءَتْه» عَطَفَه بفاءِ التعقيبِ أي: لم يتراخَ انتهاؤُه عن مجيء الموعظهِ. / وقوله: {وَمَنْ عَادَ} الكلامُ على «مَنْ» هذه في احتمالِ الشرطِ والموصولِ كالكلامِ على التي قبلها. والضميرُ في قولِه «فَأَمْرُه» يعودُ على «ما سَلَف» ، أي: وأمرُ ما سلَفَ إلى الله، أي: في العفوِ عنه وإسقاطِ التِّبِعَةِ منه. وقيل: يعودُ على المنتهي المدلولِ عليه بانتهى أي: فأمرُ المنتهي عن الربا إلى الله في العفوِ والعقوبةِ. وقيل: يعودُ على ذي الربا في أَنْ ينتبهَ على الانتهاءِ أو يعيدَه إلى المعصيةِ. وقيل: يعودُ على الرِبا أي: في عفو الله عمَّا شاء منه أو في استمرارِ تحريمِه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.