الباحث القرآني

وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: {مُتُّم} و {مُتُّ} : وبابه بضم الميم، ووافقهم حفص هنا خاصة في الموضعين، والباقون بالكسر. فأمّا الضم فلأنه فَعَل بفتح العين من ذوات الواو، وكل ما كان كذلك فقياسه إذا أسند إلى ياء المتكلم وأخواتها أن تضم فاؤه: إمَّا من أول وهلة، وإمَّا بأن نبدلَ الفتحةَ ضمةً ثم نَنْقُلَها إلى الفاء على اختلاف بين التصريفيين، فيقال في «قام» وقال وطال: قُمت وقُمنا وقُمن وطُلت وطُلن وما أشبه، ولهذا جاء مضارعُه على يَفْعُل نحو: يَمُوت. وأما الكسر فالصحيح من قول أهل العربية أنه من لغة مَنْ يقول: مات يمات كخاف يخاف، والأصلُ: مَوِت بكسر العين كَخوِف فجاء مضارعه على يَفْعَل بفتح العين. قال الشاعر: 1479 - بُنَيَّتي سيدةَ البنات ... عِيشي ولا يُؤْمَنُ أَنْ تَماتي فجاء بمضارعه على يَفْعَل بالفتح، فعلى هذه/ اللغة يَلْزَم أن يقال في الماضي المسند إلى التاءِ وإحدى أخواتها: «مِتُّ» بالكسرِ ليس إلا، وهو أنَّا نَقَلْنا حركةَ الواو إلى الفاء بعد سَلْبِ حركتِها دلالةً على بنيةِ الكلمة في الأصلِ. وهذا أَوْلى مِنْ قولِ مَنْ يقولُ: إنَّ «مِتَّ» بالكسر مأخوذٌ من لغة من يقول: «يَمُوت» بالضم في المضارع، وجعلوا ذلك شاذاً في القياس كثيراً في الاستعمال كالمازني وأبي علي الفارسي، ونقله بعضهم عن سيبويه صريحاً، وإذا ثَبَتَ ذلك لغةً فلا معنى إلى ادِّعاء الشذوذ فيه. وأمَّا حفص فجمع بين اللغتين. وقرأ الجماعة: «تَجْمَعُون» بالخطاب جرياً على قوله: «ولئن قُتِلتم» ، وحفص بالغيبة: إمَّا على الرجوع على الكفار المتقدمين، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين. وهذه ثلاثة مواضع: تقدَّم الموتُ على القتل في الأول منها وفي الأخير، والقتلُ على الموت في المتوسط، وذلك أنَّ الأول لمناسبةِ ما قبله من قوله: {إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض أَوْ كَانُواْ غُزًّى} فرجعَ الموتُ لِمَنْ ضَرَب في الأرض، والقتلُ لِمَنْ غزا، وأما الثاني فلأنه مَحَلُّ تحريضٍ على الجهاد فَقَدَّم الأهمَّ الأعرفَ، وأمَّا الآخرُ فلأنَّ الموتَ أغلبُ. وقوله: {لإِلَى الله} اللامُ جوابُ القسم فهي داخلةٌ على {تُحْشَرُونَ} ، و «إلى الله» متعلقٌ به، وإنما قُدِّم للاختصاصِ أي: إلى الله لا إلى غيره يكونُ حشرُكُم، أو للاهتمام، وحَسَّنَه كونُه فاصلةً، ولولا الفصلُ لوجب توكيدُ الفعل بنونٍ، لأنَّ المضارعَ المثبت إذا كانَ مستقبلاً وَجَبَ توكيدُه مع اللام خلافاً للكوفيين، حيثُ يجيزون التعاقبَ بينهما، كقوله: 1480 - وقتيلِ مُرَّةَ أَثْأَرَنَّ فإنه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فجاءَ بالنونِ دونَ اللامِ، وقوله: 1481 - لِئَنْ تكُ قد ضَاقَتْ عليكم بيوتُكم ... لَيَعْلَمُ ربي أنَّ بيتيَ واسِعُ فجاء باللامِ دون النون، والبصريون يجعلونه ضرورةَ. فإنْ فُصِل بين اللام بالمعمول كهذه الآية أو ب «قد» نحو: «والله قد أقوم» وقوله: 1482 - كَذَبْتِ لقد أُصْبي على المَرْء عِرْسَه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو بحرفِ تنفيس نحو: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ} [الضحى: 4] فلا يجوزُ توكيده حينئذ بالنون. قال الفارسي: «دخلتِ النونُ فرقاً بين لام اليمين ولام الابتداء، ولامُ الابتداء لا تدخل على الفَضْلة، فبدخول لام اليمين على الفَضْلة حَصَلَ الفرقُ فلم يُحْتَجْ إلى النون، وبدخولِها على» سوف «حَصَل الفرقُ أيضاً فلا حاجةً إلى النونِ، ولامُ الابتداء لا تَدْخُل على الفعلِ إلا إذا كان حالاً، أمَّا مستقبلاً فلا» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.