الباحث القرآني

قوله تعالى: {الصابرين} : إنْ قَدَّرْتَ «الذين يقولون» منصوبَ المحل أو مجرورَه على ما تقدَّم كان «الصابرين» نعتاً له على كلا التقديرين، فيجوزُ أن يكونَ في محلِّ نصب وأن يكون في محل جر، وإنْ قَدَّرْته مرفوع المحل تعيَّن نصب «الصابرين» بإضمار أعني. والأسْحار جمع «سَحَر» بفتح العين وسكونها. واختلف أهل اللغة في السَّحَر: أيُّ وقتٍ هو؟ فقال جماعةٌ منهم الزجاج: «إنه الوقت قبل طلوع الفجر» ، ومنه «تَسَحَّر» أي أكل في ذلك الوقت، وأسْحَرَ إذا سار فيه، قال زهير: 1198 - بَكَرْنَ بُكوراً واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ ... فهنَّ ووادي الرَّسِّ كاليدِ للفَم قال الراغب: «السَّحَرُ: اختلاطُ ظلامِ آخر الليل بضياءِ النهار، وجُعِل اسماً لذلك الوقت، ويقال:» لَقيته بأعلى سَحَرَيْن «، والمُسْحِرُ: الخارجُ سَحَراً، والسَّحورُ: اسمُ للطعامِ المأكولِ سَحَراً، والتسَحُّرُ أكْلُه» . والمُسْتَحِرُ: الطائر الصَّيَّاحُ في السَّحَر، قال: 1199 - يُعَلُّ به بَرْدُ أنيابِها ... إذا غَرَّدَ الطائرُ المُسْتَحِرْ وقال بعضُهم: «أَسْحَرَ الطَائر أي: صاحَ وتحرَّك في صياحه» وأنشد البيت. وهذا وإنْ كان مطلقاً، وإنما يريد ما ذكرْتُه بالصِّياح في السحر، ويقال: أَسْحَر الرجل: أي دخل في وقتِ السَّحَر كأَظْهَرَ/ أي: دخل في وقت الظُّهر، قال: 1200 - وأَدْلَجَ مِنْ طِيْبَةٍ مسرعاً ... فجاءَ إلينا وقد أَسْحَرَا ومثلُه: «اسْتَحَرَ» أيضاً. وقال بعضُهم: «السَّحَرُ من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر» وقال بعضهم أيضاً: «السَّحَرُ عند العرب من آخر الليل، ثمَ يَسْتمر حكمُه إلى الإِسفار، كلُّه يقال له: سَحَر» . قيل: وسُمِّي السَّحَرُ سَحَراً لخفائِه، ومنه قيل: للسِّحْر: سِحْرِ لِلُطْفِه وخَفَائه. والسَّحْر بسكون الحاء مُنْتهى قَصَبةِ الرئة، ومنه قولُ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ماتَ بين سَحْري ونَحْري» سُمِّي بذلك لخفائِه، و «سَحَر» فيه كلام كثير، بالنسبةِ إلى الصرف وعدمه، والتصرفِ وعدمهِ، والإِعرابِ وعدمِه، يأتي تفصيلُها إن شاء الله تعالى عند ذِكْرِهِ إذ هو الأليقُ به. وقوله: {والصادقين} وما عُطِف عليه. إن قيل: كيف دَخَلَتِ الواوُ على هذه الصفاتِ وكلُّها لقبيلٍ واحد؟ ففيه جوابان، أحدُهما أنَّ الصفاتِ إذا تكرَّرت جازَ أن يُعْطَفَ بعضُها على بعضٍ بالواوِ، وإنُ كانَ الموصوفُ بها واحداً، ودخولُ الواوِ في مثل هذا تفخيمٌ، لأنه يُؤْذِنُ بأن كلَّ صفةٍ مستقلةٌ بالمدحِ. والجوابُ الثاني: أن هذه الصفاتِ متفرقةٌ فيهم، فبعضُهم صابرٌ، وبعضُهم صادِقٌ، فالموصوفُ بها متعدِّدٌ، هذا كلامُ أبي البقاء. وقال الزمخشري: «الواوُ المتوسطةُ بين الصفاتِ للدلالةِ على كمالهم في كلِّ واحدة منها» . قال الشيخ: «ولا نعلمُ العطفَ في الصفة بالواو يَدُّلُّ على الكمالِ» قلت: قد عَلِمَه علماءُ البيان، وقد تقدَّم لك تحقيقُ هذه المسألةِ في أوائلِ سورة البقرة، وما أنشدْتُه على ذلك من لسانِ العرب. والباء في «بالأسحارِ» بمعنى في.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.