الباحث القرآني

قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي} كقولِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28] وقيل الاستفهامُ هنا معناه النفي، وأنشد: 1351 - كيفَ نومي على الفراشِ وَلمَّا ... تَشْمَلِ الشامَ غارةٌ شَعْواءُ وقول الآخر: 1352 - فهذي سيوفٌ يا صُدَّيُّ بنُ مالكٍ ... كثيرٌ ولكن كيف بالسيفِ ضارِبُ قوله: {وشهدوا} في هذه الجملة ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها معطوفةٌ على «كفروا» و «كفروا» في محلِّ نصبٍ نعتاً لقوماً، أي: كيف يهدي مَنْ جَمَعَ بين هذين الأمرين، وإلى هذا ذهب ابنُ عطية والحوفي وأبو البقاء، إلا أنَّ مكيّاً قد رَدَّ هذا الوجهَ فقال: «لا يجوزُ عطفُ» شهدوا «على» كفروا «لفسادِ المعنى» ، ولم يُبَيِّن جهةَ الفسادِ فكأنه فَهِمَ الترتيبَ بين الكفر والشهادة، فلذلك فَسَدَ المعنى، وهذا غير لازمٍ، فإنَّ الواو لا تقتضي ترتيباً، ولذلك قال ابن عطية: «المعنى مفهومٌ أنَّ الشهادةَ قبل الكفرِ والواوُ لا تُرَتِّب» . الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من واو «كفروا» ، والعاملُ فيها الرافعُ لصاحبِها، و «قد» مضمرةٌ معها على رأي، أي: كفروا وقد وقد شهدوا، وإليه ذهب جماعة كالزمخشري وأبي البقاء وغيرهما، قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون العامل» يَهْدي «لأنه يهدي مَنْ شَهِدَ أن الرسول حق، يعني أنه لا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من» قوماً «، والعاملُ في الحال» يَهْدِي «لِما ذَكَر من فساد المعنى/. الثالث: أن يكونَ معطوفاً على» إيمانهم «لما تضمَّنه من الانحلال لجملةٍ فعلية، إذ التقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا، وإلى هذا ذهب جماعة، قال الزمخشري:» أن يُعْطف على ما في «إيمانهم» من معنى الفعل، لأن معناه: بعد أن آمنوا، كقولِهِ تعالَى: {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن} [المنافقون: 10] وقوله: 1353 - مشائيمُ ليسوا مُصْلِحين عشيرةً ... ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها انتهى. وجهُ تنظيره ذلك بالآية والبيت تَوَهُّمُ وجودِ ما يُسَوِّغُ العطفَ عليه في الجملة، كذا يقول النحاة: جُزِم على التوهم أي: لسقوط الفاء، إذ لو سقطت لانجزم في جوابِ التحضيض، وكذا يقولون: تَوَهَّم وجودَ الباءِ فجَرَّ، وفي العبارة بالنسبة إلى القرآن سوءُ أدبٍ، ولكنهم لم يقصِدوا ذلك حاش لله، وكان تنظير الزمخشري بغير ذلك أَوْلى كقوله: {إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ} [الحديد: 18] ، إذ هو في قوة: إن الذين صدقوا وأقرضوا، وفي هذه الآيةِ بحثٌ سيمر بك إن شاء الله تعالى. وقال الواحدي: «عُطِف الفعلُ على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعلَ تقديرُه: كفروا بالله بعد أَنْ آمنوا، فهوعطفٌ على المعنى كما قال: 1354 - لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشفوفِ معناه: لأِنْ ألبس وتقرَّ عيني» فظاهرُ عبارة الزمخشري والواحدي أن الأولَ يُؤَوَّل لأجل الثاني، وهذا ليس بظاهر، لأنَّا إنما نحتاج إلى ذلك لكونِ الموضع يطلبُه فعلاً كقوله: {إِنَّ المصدقين} لأنَّ الموصول يَطْلُبُ جملةً فعلية فاحتْجنا أَنْ نتأوَّل اسمَ الفاعل بفعلٍ، وعَطَفْنا عليه «وأقرضوا» ، وإما «بعد إيمانهم» وقوله «للبس عباءة» فليس مكانُ الاسمِ محتاجاً إلى فعل، فالذي ينبغي: أن نتأول الثاني باسمٍ ليصِحَّ عطفُه على الاسم الصريح قبله، وتأويلُه بأن نأتي معه ب «أن» المصدرية مقدرةً، وتقديرُه: بعد إيمانهم وأَنْ شَهِدوا، أي: وشهادتهم، ولهذا تأوَّل النحويون قولَها: «لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ» : وأَنْ تقرَّ، إذ التقدير: وقرةُ عيني، وإلى هذا الذي ذكرته ذهب أبو البقاء فقال «التقدير: بعد أَنْ آمنوا وأن شهدوا، فيكونُ في موضعِ جَرٍّ» . انتهى، يعني أنه على تأويلِ مصدرٍ معطوفٍ على المصدرِ الصريح المجرور بالظرف، وكلام الجرجاني فيه ما يَشْهد لهذا ويَشْهَدُ لتقدير الزمخشري فإنه قال: قوله «وشَهِدوا» منسوقٌ على ما يُمكنُ في التقدير، وذلك أنَّ قولَه «بعد إيمانهم» يمكن أن يكونَ بعد «أن آمنوا» وأَنْ الخفيفة مع الفعلِ بمنزلةِ المصدرِ كقولهِ: {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 184] أي: والصوم، ومثلُه مِمَّا حُمِل فيه على المعنى قولُه تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ} [الشورى: 51] فهو عطفٌ على قوله: {إِلاَّ وَحْياً} ، ويمكن فيه: إلا أن يُوحى إليه، فلما كان قوله {إِلاَّ وَحْياً} بمعنى: إلا أنْ يُوحَى إليه حَمَله على ذلك، ومثله من الشعر قوله: 1355 - فَظَلَّ طُهاةٌ اللحم من بين مُنْضِجٍ ... صَفيفَ شِواءٍ أو قديرٍ مُعَجَّلٍ خَفَضَ قولَه «قدير» لأنه عَطْفٌ على ما يمكن في قوله «منضجٍ» لأنه أمكن أن يكون مضافاً إلى الصفيف فَحَمَله على ذلك قلت: فإتْيانُه بهذا البيت نظيرُ إتيان الزمخشري بالآية الكريمة والبيت المتقدمين، لأنه جَرَّ «قدير» هنا على التوهم، كأنه تَوَهَّم إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله تخفيفاً فَجَرَّ على التوهم، كما تَوَهَّم الآخرُ وجودَ الباءِ في قوله: «ليسوا مصلحين» ، لأنها كثيراً ما تزاد في خبر ليس. وقوله: {أَنَّ الرسول} الجمهورُ على أنه وصف بمعنى المُرْسَل، وقيل: هو بمعنى الرسالة فيكون مصدراً وقد تقدَّم ذلك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.