الباحث القرآني

قوله: {مِمَّآ أَفَآءَ} : بيانٌ لِما مَلَكَتْ وليس هذا قَيْداً، بل لو ملكَتْ يمينُه بالشراء كان الحكمُ كذا، وإنما خَرَجَ مَخَرَجَ الغالِب. قوله: «وامرأةً» العامَّةُ على النصب. وفيه وجهان، أحدهما: أنها عطفٌ على مفعولِ «أَحْلَلْنا» أي: وأَحْلَلْنا لك امرأةً موصوفةً بهذين الشرطين. قال أبو البقاء: «وقد رَدَّ هذا قومٌ وقالوا:» أَحْلَلْنا «ماضٍ و» إنْ وَهَبَتْ «وهو صفةُ المرأة مستقبلٌ، فأَحْلَلْنا في موضع جوابِه، وجوابُ الشرط لا يكونُ ماضياً في المعنى» قال: «وهذا ليس بصحيحٍ لأنَّ معنى الإِحلالِ ههنا الإِعلامُ بالحِلِّ إذا وقع الفعلُ على ذلك كما تقول: أَبَحْتُ لك أَنْ تُكلِّمَ فلاناً إنْ سَلَّم عليك» . الثاني: أنه ينتصِبُ بمقدرٍ تقديرُه: ويُحِلُّ لك امرأةً. قوله: «إنْ وَهَبَتْ. . . إنْ أرادَ» هذا من اعتراضِ الشرط على الشرطِ، والثاني هو قيدٌ في الأولِ، ولذلك نُعْرِبه حالاً، لأنَّ الحالَ قيدٌ. ولهذا اشترط الفقهاءُ أن يتقدَّمَ الثاني على الأولِ في الوجود. فلو قال: «إنْ أكلْتِ إنْ ركبْتِ فأنتِ طالقٌ» فلا بُدَّ أنْ يتقدَّم الركوبُ على الأكلِ. وهذا لِتَتَحَقَّقَ الحاليةُ والتقييدُ كما ذكرْتُ لك؛ إذ لو لم يتقدَّمْ لخلا جزءٌ من الأكل غيرُ مقيدٍ بركوبٍ، فلهذا اشترطُوا تقدُّمَ الثاني. وقد مضى تحقيقُ هذا، وأنَّه بشرطِ أَنْ لا تكونَ ثَمَّ قرينةٌ تمنعُ من تقدُّمِ الثاني على الأولِ. كقولك: «إنْ تَزَوَّجْتُكِ إنْ طَلَّقْتُكِ فعَبْدي حُرٌّ» لا يُتَصَوَّرُ هنا تقديمُ الطلاق على التزويج. إلاَّ أني قد عَرَضَ لي إشكالٌ على ما قاله الفقهاء بهذه الآية: وذلك أن الشرطَ الثاني هنا لا يمكُنُ تقدُّمُه في الوجودِ بالنسبةِ إلى الحكمِ الخاص بالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم، لا أنه لا يمكن عقلاً. وذلك أن المفسِّرين فَسَّروا قولَه تعالى: «إنْ أرادَ» بمعنى قبِلَ الهِبَةَ؛ لأنَّ بالقبول منه عليه السلام يَتِمُّ نكاحُه وهذا لا يُتَصَوَّرُ تقدُّمه على الهِبة؛ إذ القبولُ متأخرٌ. وأيضاً فإنَّ القصةَ كانَتْ على ما ذَكَرْتُه مِنْ تأخُّر إرادتِه عن هِبَتِها، وهو مذكورٌ في التفسيرِ. والشيخ لَمَّا جاء إلى ههنا جعلَ الشرطَ الثاني متقدِماً على الأول على القاعدة العامةِ ولم يَسْتَشْكِلْ شيئاً مِمَّا ذكرته. وقد عَرَضْتُ هذا الإِشكالَ على جماعةٍ من أعيان زمانِنا فاعترفوا به، ولم يَظْهر عنه جوابٌ، إلاَّ ما/ قَدَّمْتُه مِنْ أنه ثَمَّ قرينةٌ مانعةٌ من ذلك كما مثَّلْتُ لك آنفاً. وأبو حيوةَ «وامرأة» بالرفع على الابتداء، والخبرُ مقدرٌ أي: أَحْلَلْناها لك أيضاً. وفي قوله: {إِنْ أَرَادَ النبي} التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة بلفظِ الظاهر تنبيهاً على أنَّ سببَ ذلك النبوَّةُ، ثم رَجَعَ إلى الخطاب فقال: خالصةً لك. وقرأ أُبَيُّ والحسنُ وعيسى «أَنْ» بالفتح وفيه وجهان، أحدهما: أنه بدلٌ مِنْ «امرأة» بدلُ اشتمالٍ، قاله أبو البقاء. كأنه قيل: وأَحْلَلْنا لك هِبَةَ المرأةِ نفسَها لك. الثاني: أنَّه على حَذْفِ لامِ العلَّة أي: لأَنْ وهبت. وزيدُ بن علي «إذ وَهَبَتْ» وفيه معنى العِلِّيَّة. قوله: «خالصةً» العامَّةُ على النصبِ. وفيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه منصوبٌ على الحالِ مِنْ فاعلِ «وَهَبَتْ» . أي: حالَ كونِها خالصةً لك دونَ غيرك. الثاني: أنها حالٌ من «امرأةٌ» لأنها وُصِفَتْ فتخصَّصَتْ وهو بمعنى الأول. وإليه ذهب الزجَّاج. الثالث: أنها نعتُ مصدرٍ مقدرٍ أي: هِبةً خالصةً. فنصبَها بوَهَبَتْ. الرابع: أنها مصدرٌ مؤكدٌ ك {وَعْدَ الله} [النساء: 122] . قال الزمخشري: «والفاعلُ والفاعلةُ في المصادر غيرُ عزيزَيْن كالخارِج والقاعِد والكاذِبة والعافِية» . يريد بالخارج ما في قولِ الفرزدق: 3709 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا خارِجاً مِنْ فِيَّ زُوْرُ كَلامِ وبالقاعدِ ما في قولهم «أقاعِداً وقد سار الرَّكْبُ» وبالكاذبة ما في قوله تعالى: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ} . وقد أنكر الشيخُ عليه قولَه «غير عزيزَيْن» وقال: «بل هما عزيزان، وما وَرَدَ متأوَّلٌ» . وقُرِئ «خالِصَةٌ» بالرفع. فإنْ كانَتْ «خالصةً» حالاً قُدِّرَ المبتدأُ «هي» أي: المرأةُ الواهبةُ. وإن كانَتْ مصدراً قُدِّر: فتلك الحالةُ خالصة. وَ «لك» على البيان أي: أعني لك نحو: سَقْياً لك. قوله: «لكيلا» متعلِّقٌ ب «خالصةً» وما بينهما اعتراضٌ و «مِنْ دون» متعلِّقٌ ب «خالصةً» كما تقول: خَلَصَ مِنْ كذا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.